"مشروع ليلى": شهرة نافرة!

في السنوات التسع التي مرت على تأسيس فرقة "مشروع ليلى" في احدى ورش العمل الموسيقية في الجامعة الاميركية في بيروت، حظيت الفرقة المؤلفة من خمسة أعضاء على اهتمام الصحافة المحلية والعالمية على حد سواء، لتفرد المادة الفنية التي تقدمها، في العالم العربي أقله، وشبهت بفرق الروك العالمية التي وضعت أسس "الغناء التحرري" أو "المتحرر" في ثمانينات القرن الماضي أمثال "وايلد بيستس" و"راديوهيد". هذه المقارنات كانت بمثابة حلم صعب المنال بالنسبة لفرقة مؤلفة من عازف "درامز" و"غيتار" و"بايس"، لولا عامودَي الفرقة "المتوهّجَين": مغني الفرقة وكاتب أغانيها حامد سنو، وعازف الكمان هايغ بابازيان. فعند كل اداء، يشعل هذا الثنائي المسرح بالطاقة والاحساس والتمرّد.

تمرّد الفرقة لا يقتصر على جمع الحان آلات مختلفة في الاغنية الواحدة، وانتقال الايقاع بسلاسة من كلاسيكية الكمان الى صخب "الدرامز" و"البايس"، ولا بمظهر الفرقة الجريء في بعض الاحيان (في حفل اطلاق البومهم "ابن الليل" ظهر سنو وبابازيان بقمصان ممزقة الاكمام وربطات جلدية على المعصم)، بل يكمن التمرد في كلمات أغانيهم التي تتناول مواضيع تعتبر من المحرمات في المجتمعات العربية، كالحرية الجنسية والدينية، كأغنية "طيف" التي تتحدث عن اقفال ملهى ليلي مخصص للمثليين والقاء القبض على رواده وتعرضهم للاذلال في مخافر الدرك، وأغنية "أصنام" التي تتحدث عن فساد ونفاق رجال الدين.

كما تغوص الفرقة في عمق المجتمع اللبناني وتقدم في أغانيها نقدًا للمشاكل اليومية والاجتماعية، كالسلاح المتفلّت في الملاهي الليلية من خلال أغنية "مغاوير" التي تروي قصة صديقين ذهبا للاحتفال بعيد ميلاد أحدهما، فأصيب بطلق ناري بسبب اشكال حصل في الملهى، فيما بقي الجاني طليقًا لانه "هون ما حدا بينطال".

هذا التمرد الممزوج بعزف بابازيان المطعّم بجذوره الارمنية، جعل من "ليلى" حالة نافرة في المجتمع العربي، وما أحب هذه الحالات على قلب هذا المجتمع، اذ انطلقت الفرقة من الجامعة الاميركية الى لبنان، بعد فوزهم بمسابقة "اذاعة لبنان" للموسيقى الحديثة عن أغنيتهم "رقصة ليلى"، وكانت الجائزة عقد تسجيل البوم، فسجلت الفرقة ألبومها الاول الذي حمل اسمها، وأطلقته عام 2009 في مصنع للصلب في برج حمود، حيث ازدحم 1200 مشجع في ساحة المصنع. تحولت الحفلة الى أكبر حدث في بيروت (خارج سياق الاحداث السياسية والأمنية) في السنوات الأخيرة، وحققت نجاحا كبيرا بين مشجعي ال"إيندي" و"الروك" في لبنان.

صعود الفرقة نحو الشهرة في فترة الربيع العربي، وأغنيتهم "ونعيد" التي تتحدث عن صمود الشعوب في الثورات حتى تحقيق المطالب، واعادة اشعال الثورة اذا تتطلب الامر، لفت انتباه الاعلامي المصري باسم يوسف للفرقة، خصوصًا أن سنّو أدى الاغنية واستخدم فيها مكبر الصوت الذي استخدم في مظاهرات ميدان التحرير، فاستضافهم يوسف في برنامجه، ما ساهم في اكتسابهم شعبية في مصر والعالم العربي الذي تأثر بأغنيتهم "للوطن" ووجد في عبارة "بس تتجرأ بسؤال عن تدهور الاحول.. بيسكتوك بشعارات عن كل المؤامرات"، الوصف الامثل للواقع الذي يعيشه العالم العربي، خصوصًا في فترة الثورات.

"دمعة أمي أغلى منه"

في حفل الفرقة في مهرجانات بيبلوس- جبيل عام 2010، أصر سنّو على غناء أغنية "عالحاجز"، رغم احتوائها على الفاظ نابية، بحضور رئيس الحكومة سعد الحريري، شرح سنّو أن الاغنية تتتحدث عن المضايقات التي يتعرض لها على حواجز التفتيش كلما أراد التوجه الى منزله القريب من منزل الرئيس الحريري، والتزامه الصمت في كل مرة لان "دمعة أمي أغلى منّه"، فغادر الحريري الحفل بعدها بنصف ساعة.

حظر أردني

للسنة الثانية على التوالي، منع أعضاء فرقة "مشروع ليلى" من الغناء في حفلهم المقرر اقامته في عمان في 27 حزيران الجاري، بقرار من وزير الداخلية في المملكة الأردنية، "بسبب محتوى أغانيهم الذي يتعارض مع عادات وقيم المجتمع الاردني"، ما تسبب بحالة من الغضب لم تقتصر على القاعدة الجماهيرية الواسعة التي تنتظر عودة الفرقة بعد الغاء حفلها العام الماضي، بل شملت غير المهتمين بهذا النوع من الموسيقى الذين اعتبروا أن هذا القرار "يخفض سقف الحريات في المملكة"، فيما رحبت البيئة المحافظة بقرار المنع.

محمد شرف الدين

 

 

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.