انتهى زمن "الاستئثار"

بسام ضو (*)

على أيّة خلفية أتت الاحتجاجات الحالية؟ هل هي على خلفية حدث سيحصل في القريب العاجل أفصح عنه أحد السياسيين متوعدًا مُهدّدًا بالويل والثبور، حتى انطبق عليه ما يقوله حلفاؤه عنه بأنه "ثرثار"؟!

نحن محاطون برجال سياسة مُستبدّين، يُهمّشون الشعب اللبناني، وحقًا طالت فترة التهميش وكدنا نكون ـ كسائر الكائنات الحيّة ـ بلا رأي، بلا عقل، ممنوع علينا التفكير، وإن فكّرنا وكتبنا نُستدعى إلى مراكز التحقيق التابعة طوعًا لكل فريق من الأفرقاء السياسيين، وبات شغلنا الشاغل تأمين المأكل والدواء فقط، هذا إذا استطعنا تأمينهم من شدّة وطأة الأزمات الاقتصادية المعيشية التي نمّر فيها.

هذا الجو المشحون تصبو إليه تلك الطبقة السياسية الفاسدة، وأهدافها تنحصر في أن يعيش شعبنا سجن العبودية ذليلاً حقيرًا، وإلاّ تدور حوله شُبهات من الإتهامات الكيدية التي تؤدي إلى سجن الشرفاء والأحرار.

نرفض أن نكون نعاجاً، ونرفض الرضوخ لهؤلاء السياسيين، ولن نخاف المواجهة وسنواجه بكل ما أوتينا من جهد وحكمة، ولن نرضخ ولن نركع…

هذه الزعامات الموجودة اليوم في سدّة المسؤولية، سواء أكانت ضمن السلطة التنفيذية أو التشريعية، لا تزال ترفض وجود المثقفين والأبطال في صفوفها، ومنذ أن استلموا السلطة بقسميها بعد انتخابات نيابية مزوّرة، عملوا إلى احتقار الرأي العام وعادوه وانقلبوا عليه، واستقووا عليه…

لقد ورث هؤلاء سياسة الخوف والحذر من الرأي العام المقدام الواعي، حتى بات الأمر تقليدًا معمولاً به. يتحفوننا بالكلام المليء بالوعود الرنّانة، وبالأكاذيب والإنتصارات الوهمية، وهم في أغلبيتهم كانوا خارج البلاد أو خارج منظومة المناضلين في فترات "الوصاية". لم يستطيعوا، وعلى مدى كل السنوات وخصوصًا في آخر ثلاث سنوات، أن يصنعوا قادة رأي أو مستشارين أقوياء، لأنهم لا يؤمنون أصلاً بدور الريادة وبدور المثقفين الأبطال.

هذا النظام القائم حاليًا، وفق تسوية مشوّهة البُنية جمعتها المصالح الخاصة عن طريق تحالف مباشر ما بينها دون المرور بالمناضلين الشرفاء الذين يعملون على القيم، وهي الركيزة الأساسية في بناء الأوطان. ولأنّ التحالفات الحاصلة حاليًا هي مستمّدة من روح دكتاتورية، فقد عمل هؤلاء السّاسة على تجنُّب الرأي العام لأنه يمثل الصوت الذي يزعج ويُقارع الحجّة بالحجّة… ولأنّ النظام الذي قام على تسوية هشّة لا يؤمن بالدور الديمقراطي الإيجابي، فقد قلّلَ من دور الرأي العام الشجاع، فسلّم الأمر إلى مجموعة من المنتفعين الذين حوّلوا دوائر الدولة إلى مراكز للإنتفاع الشخصي أنتجوا فيها، وطوال هذه الفترة، مجموعة من المغرّر بهم يستعملونهم غبّ الطلب.

منذ 24 يومًا، نواجه كشعب مناضل أزمة أكثر حدّة وعمقًا، بما لا يُقاس ما كان عليه الحال عند بداية عهد الرئيس ميشال عون. وقد تختلف درجة حدّة الأزمة ومظهرها من فترة لأخرى، ولكنها لا تستثني أحدًا من الأفرقاء السياسيين. وهي أزمة عميقة بدأت للأسف مع كشف محتوى آلية ضغط كانت ستُستعمل تزامنًا مع إقتراب حدث مُعيّن يُراد استباقه بالتي هيَ أحسَن. وهنا تكمن عملية شدّ الحبال بين أطراف التسوية السياسية القائمة لناحية فريق مُعيّن يستدرك خطورة ما قد يحصل لناحية خسارته الموقع الذي يتواجد فيه في حال حصل أمر ما. وهنا تكمن أزمة عدم ثقة بين هذا الفريق وباقي المكوّنات السياسية القائمة في البلاد، وكل يتناتش الأمور ويزعم أنه بإستطاعته جلبها لناحيته، فيما الشارع يُحرّك إعتباطيًا وفق منطق "مرئلي لمرئلق"… وهذا ما زاد الأمور تعقيدًا في المرحلة الحاضرة.

نحن أمام مأزق وطني كبير، وأمام عديد من الأزمات أختصرها بما يلي:

  1. أزمة تحلُل شرعية النظام السياسي السائد دون بروز بديل له، وهذا أمر في غاية الخطورة.
  2. أزمة تآكل كل القيم الأخلاقية ـ الاجتماعية ـ السياسية… دونما أن نستطيع إيقافها.
  3. أزمة صراع حاد بين المكوّنات السياسية.
  4. أزمة صراع حاد في اللامساواة بين الشعب اللبناني وحكّامه، بينما هم اغتنوا وحوّلوا أموالهم إلى الخارج، والشعب اللبناني يئن تحت وطأة الدين العام والبطالة والهجرة والفقر…
  5. أزمة عدم وجود آلية مؤسساتية لإدارة الأزمة الحالية وسُبل الخروج منها.

في الوقت التي تتأزم فيه الأمور، وفي الوقت الذي تتأطر ثورة عملاقة في الشارع، وفي الوقت الذي نسمع فيه العديد من الشعارات الطنّانة والتي تتمحور حول عدة مطالب ربما تكون في بعض الأحيان محقّة، ولكن نحذّر من تسييسها وانحرافها عن مسارها… وحفاظًا على ما تبقّى من هيبة للدولة ومؤسساتها الشرعية المدنية والعسكرية، أوجه نداءً من القلب إلى كل مناضل شريف، وإلى القادة الروحيين، مسيحيين ومُسلمين، بإعتبارهم حماة الشعوب ومكافحين ضد الفساد ومدافعين عن حقوق الإنسان والديمقراطية في فترة إضمحلال العقل السياسي السليم والمنتج، وبالتالي عليهم تقوم ركيزة إعادة بناء الكيان اللبناني لإعادة تكوين السلطة بعد إستقالة الحكومة الحالية، وتداركًا لخطر ما قد يُداهمنا في وقتٍ ما، إلى تشكيل حكومة ذات صلاحيات إستثنائية في المرحلة الراهنة تواكب عملية إنتقال السلطة من ضفة إلى ضفة، دونما إحتكار أو هيمنة من الأطراف السياسيين الحاليين، لأننا شعبٌ حر مثقف شجاع يعرف ويتقن أصول ممارسة العمل السياسي في زمن الشدائد، ولا يقبل أن يكون مُجرّد رقم أو قطيع غنم يُديره سياسي جشع كاذب يتلوّن ويبيع ويشتري، ويُساير ويُساوم على الوطن والدولة ويستأثر بالسلطة.


(*) كاتب وباحث سياسي

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.