استقالة الحريري: تجديد "المحور"؟

رفعت البدوي /

منذ بداية الانتفاضة الشعبية، ساد لبنان، على المستويين السياسي والحكومي، حالة من الارتباك وصلت حد الدهشة من الجموع المحتشدة في الساحات، الغاضبة جراء بلوغ الفساد في السلطة والأداء الحكومي حد الفجور الذي يهدد المجتمع والكيان اللبناني.

بحت الحناجر، وفتح البث التلفزيوني على مدار الساعة لنقل الأحداث المتتالية، كما أن العالم الخارجي تسمّر أمام شاشات التلفزة لمتابعة الأحداث الدراماتيكية، وترقب تداعيات الزلزال السياسي الحاصل في لبنان، متناسياً أحداث البلدان المجاورة.

دخلت الانتفاضة الشعبية في لبنان أسبوعها الثاني، لكن لبنان بدا وكأنه بلد بدون حكومة تدير شؤون المواطنين، أو أنها تواكب الأحداث الجارية، خصوصاً مع غياب المسؤولين عن السمع.

والغريب المريب، أنه ورغم خطورة ارتدادات الزلزال الشعبي الذي ضرب لبنان، لم توجّه الدعوة لاجتماع طارئ لمجلس الوزراء من أجل البحث عن حلول ومخارج تنقذ لبنان من حرب أهلية مدمرة لامست الساحات والشوارع المحتشدة وحتى البيوت،

على الرغم من مراهنة البعض على عدم إقدام الرئيس سعد الحريري على الإستقالة، مستندين إلى التزام الحريري بالتسوية الرئاسية، حتى أن ذاك البعض كان مطمئناً إلى أن الرئيس الحريري هو بحاجة إلى بقائه على رأس الحكومة.

لكن كل المراهنات والاعتقادات والتأكيدات تبخرت فجأة يوم الثلاثاء حين أعلن الرئيس الحريري استقالة الحكومة من بيت الوسط، معللاً سبب الاستقالة بضغط الانتفاضة الشعبية، كسبب معلن، وبتعنّت شريكه جبران باسيل كسبب غير معلن رسمياً، حيث سرّب الرئيس الحريري ما معناه "أنا لم أعد أحتمل، فإما تعديل حكومي يُخرج جبران باسيل وممثلي الأحزاب من الحكومة وإما الاستقالة".

وعلى الرغم من المحاولات الحثيثة لثنيه عن الاستقالة، إلا أن الرئيس الحريري لحق بالقوات اللبنانية وأعلن استقالة الحكومة، الأمر الذي اعتبر بمثابة لكمة مثلثة موجعة من حزب القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي وتيار المستقبل، وجهت إلى حزب الله والتيار الوطني والأحزاب الحليفة، وذلك بهدف إسقاط التسوية الرئاسية أولاً، ومحاولة إرباك حزب الله ثانياً.

مما لا شك فيه أن الرئيس الحريري، مع القوات والاشتراكي، سجل تقدماً بالنقاط على حزب الله، خصوصاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار توقيت الاستقالة بعد يومين من إعلان السيد حسن نصر الله عن معارضته إسقاط الحكومة، وأيضاً أنها جاءت في ظل ظروف إقليمية حساسة بعد أن استطاع حزب الله من خلالها تسجيل انتصارات متتالية، كونه جزء هام من محور المقاومة الممتد من إيران والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين امتدادا إلى اليمن.

ومن دون الغرق بتفاصيل إقليمية، لا شك بأن ترابط وتزامن الأحداث والانتفاضة الشعبية بين العراق ولبنان يقود إلى أن الانتفاضات هي بالجوهر مطالب شعبية محقة، لكن الأميركي استطاع التغلغل بين المنتفضين مما سهل له إدارة الانتفاضة عبر تغطية إعلامية مدفوعة الأجر بهدف جر الانتفاضة وحرف أهدافها نحو التشكيك بمصداقية المقاومة في محاربة الفساد وتصوير حزب الله وكأنه شريك أساسي يغطي الفساد في لبنان، وأيضاً لضرب ثقة البيئة الحاضنة للمقاومة.

يعتقد الرئيس الحريري أن استقالته أمنت له مخرجاً لائقاً من الأزمة من دون خدوش، لكن الذاكرة خانت الرئيس الحريري نفسه حين تناسى كونه كان رئيساً لحكومة فاسدة بالتكافل والتضامن مع الشريك الأساسي جبران باسيل.

وهنا يُسأل الرئيس الحريري: "كيف جاءك وحي النفور من جبران باسيل رغم أنك أنت القائل بأنك قلبت الطاولة ضد الجميع، وعكس رغبة قاعدتك الشعبية، وفضّلت التسوية مع باسيل لأن فيها مصلحه وطنية، ولإنقاذ البلد… فما هو السبب الحقيقي الذي أدى إلى الخصومة مع باسيل وطلب إقصائه عن الحكومة؟ هل هو اختلاف على حصص المشاريع أم أنه جاء تنفيذاً لرغبات خارجية؟".

الواضح أن كلام حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لمحطة "سي إن إن" شكل إشارة واضحة بان انهيار لبنان اقتصادياً بات على الأبواب، والكل يعلم بان الإشارة للانهيار كانت خارجيه بامتياز. هنا ضرب الرئيس الحريري عصفورين بحجر واحد بقرار استقالته:

ـ استطاع الرئيس الحريري استرجاع جزء كبير من قاعدته الشعبية الرافضة أصلاً للتسوية الرئاسية، خصوصاً بعدما ألقى باللائمة على جبران باسيل.

ـ جاءت استقالة الحريري بمثابة رد مباشر على إعلان السيد نصر الله عن معارضته إسقاط الحكومة، وهذا ما دفع الشارع السني للاحتشاد مجدداً تأييداً للحريري كورقة ضاغطه لإعادة تكليفه تشكيل حكومة جديدة وبشروط الحريري نفسه، أي حكومة تكنوقراط بدون حزب الله وبدون التيار الوطني الحر وبدون الأحزاب. لكن الرئيس الحريري يواجه الآن معادلة تطرح عليه ومفادها أن استبعاد الأحزاب والتيارات يشمل تياره أيضاً، إذ كيف لتيار المستقبل أن يتمثل برئاسة الحكومة منفرداً دون باقي التيارات السياسية؟

لا بد من الإشارة إلى أن أي حكومة، وكيفما كان شكلها ورئيسها، وحتى تكون فاعلة وشرعية، لا بد لها من الحصول على ثقة كتل الأحزاب والتيارات المتمثلة في مجلس النواب، إضافة إلى توقيع رئيس الجمهورية.

إن الاجتماع الثلاثي الذي حصل بين سمير جعجع ووليد جنبلاط والرئيس الحريري، أعطى إشارات واضحة بأن محوراً قديماً قد تم تجديده بوجه التيار الوطني، واستطراداً بوجه حزب الله.

بانتظار المشاورات النيابية الملزمة، يبقى الرئيس الحريري اسم من بين الأسماء المتداولة، وربما يكون الأوفر حظاً لتشكيل الحكومة العتيدة، لكن من شبه المؤكد أن الرئيس الحريري وضع شروطاً يصعب القبول بها، أقله في الوقت الراهن.

وضع الرئيس الحريري نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: سيكون خاسراً إذا خرج من الحكم، كما أنه إذا ما أعيد تكليفه تشكيل حكومة جديدة سيكون خاسراً أيضاً إذا ما شكّل حكومة تشبه الحكومة التي أطاح بها.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.