الثورة وعي وسلوك لتحقيق الأهداف

د. أيمن عمر (*)

كنت قد آليت على نفسي الصمت في زمن أصبح الحليم فيه حيرانا، ويتصدّر فيه المشهد الرويبضة، ويُوكل الأمر إلى غير أهله. إلا أنني لم أشعر إلا والقلم قد اندفع إليَّ اندفاعاً يُمسك بتلابيبي ويشدّني ليقهر صمتي المرعوب على سندان السياسة الداخلية المحلية، لعلّ بكلماتي أستطيع أن أضيء ولو شمعة علّها تُحدث لمعات في زمن الفتن والظلمات، فيأتيَ الغيث الربانيّ ليروي آهات الفئات المقهورة المحرومة المظلومة المضطهدة.

ولعل كلمات قليلة تنفخ أملاً في فئات الصادقين المحبطة الذين خرجوا إلى الساحات رفضاً لواقعهم المرير وحرباً على الفساد ورؤوسه، وهم متفلتون من أي مؤامرات خارجية أو ارتباطات داخلية.

ومع اشتداد الازمات يميز الله الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب، والمخلص من المنافق، والاحرار من العبيد، والأنقياء من المستعبدين، والنصر عند الملمّات يأتي بهؤلاء وإن طال الزمان واشتدّ الوطيس.

إنّ رفض الظلم والحرمان، ومحاربة الفساد والمفسدين، ومواجهة أعتى الأنظمة فساداً وظلماً وطغياناً، نعم لَهوَ الثورة بحدّ ذاته، مهما عارض المتفذلكون ونظّر المتفيقهون واقترح المنظّرون.

ولعمري إن أرقى أنواع الثورات هي عندما يخرج المظلومون في وجه ظالمهم ويقف المحرومون في وجه سارقهم. ولا بدّ أن يكون المنطلق الأساسي للثورة التوجيه الربّاني: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، فإذا لم يحدث هذا التغيير الحقيقي في أنفسنا لن نحقق ما نصبو إليه من أي حراك أو ثورة. لذلك كي يحقق المحرومون المسلوبون أهدافهم، لا بد من التغيير في الوعي والثقافة، والخروج من صنمية الأشخاص، وتأليه الزعيم، ومناصرة الزعيم الفاسد بحجج واهية كحماية الطائفة والمذهب. وعلينا أيضاً أن نغيّر من سلوكياتنا الفاسدة وأخلاقياتنا السلبية.

لكي تنجح الثورة يجب أن تُبعد عنها كل ما يرتبط بالأجندات الخارجية والحسابات الداخلية الضيقة، وأن تحقق انتماءً وطنياً حقيقياً ضمن وحدة وطنية حقيقية جامعة عابرة للمذاهب والمناطق. وعلينا أن نتيّقن أن نظام الفساد والقهر متجذر في النفوس قبل المؤسسات، وهو سيستخدم جميع الأدوات في سبيل الحفاظ على تجذّره. وليس من السهولة بمكان اقتلاعه من هذه الجذور العفنة إلا بالصبر والمصابرة ووحدة الصفّ والمجاهدة. فالنصر هو صبر ساعة، ولا يدخلنّ الإحباط عند كل تعثّر وحفرة، والتغيير آتٍ لا محالة، ولكن بشرط أن نبدأ بمحاربة الفساد في داخلنا. وإلا حينها ينطبق عينا القول "مثلما تكونوا يولّى عليكم"، ويتحقق فينا قول الله:  ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.

 (*) باحث في الشؤون الاقتصادية والسياسية
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.