الوصول الى المعلومات.. في طور الاعداد

تويني لـ"الرقيب": نحضّر منظومة انقلاب على مكامن الفساد

 

محمد شرف الدين

لا شيء في لبنان يأتي هيناً، خصوصاً في ظل مجلس نيابي لا يملك "ثقافة المهل"، فيدرس الملفات المطروحة عليه بتأنٍ يفوق حد الاحتمال، ويبت فيها بعد مرور سنة، اثنتين وحتى أكثر. سلسلة الرتب والرواتب التي جاءت بعد سبع سنوات من النضال المطلبي خير دليل، يشفع للنواب أن هذه المسألة تتعلق بأمور مالية وموازنة يجب أن تدرس بعناية شديدة، لكن عندما يكون الامر متعلقًا بحقوق الانسان المعنوية، ما المبرر؟

هكذا، حصل اللبنانيون، بداية هذا العام، على حقهم في الوصول الى المعلومات ـ وهو من المبادئ الاساسية لحقوق الانسان ـ أي بعد ثماني سنوات من تاريخ تقديم "الشبكة الوطنية للحق في الوصول الى المعلومات" اقتراح القانون الى مجلس النواب، فأصبح بإمكان أي شخص طبيعي أو معنوي، الوصول الى المعلومات والمستندات الموجودة لدى الإدارات الرسمية والاطلاع عليها.

هذه الخطوة تعتبر من الخطوات الاصلاحية المهمة والنادرة على المستوى التشريعي، كونها تساعد على كشف الفساد والحد منه، اذ أن هذا القانون يعطي أي شخص الصلاحية الفعلية لممارسة الرقابة على أعمال الحكومة والادارات الرسمية، فيتيح بذلك للنواب مراقبة أعمال الحكومة ومصاريفها، وللصحافي الحصول على معطيات أكثر دقة وصدقية، وللمواطن تصحيح أو تعديل معلوماته الشخصية المدونة في الدوائر الرسمية.

اليوم وبعد مرور ستة أشهر على اقرار هذا القانون، لا يزال تطبيقه الفعلي على الارض ضعيفاً، اذ أن معظم الوزارات التي ألزمها القانون بنشر القرارات والعقود على موقعها الالكتروني، لا تزال قديمة وغير محدثة (راجع مقال "الرقيب" بعنوان: "الغبار" يغطي المواقع الالكترونية للدولة، العدد السادس)، ولعل ذلك يعود لغياب المكننة في الادارات العامة، فيبقى هذا الحق مقيداً بعراقيل "الاساليب والمعاملات التقليدية" التي تتطلب فترات طويلة. بالرغم من ذلك، يبقى هذا القانون "خطوة الى الامام" قد تشكل فارقاً مستقبلياً، اذا اسثمر بالطريقة الصحيحة.

ويبدو أن العمل على تحقيق ذلك  جارٍ بالفعل، اذ يقول وزير الدولة لشؤون مكافحة الفساد نقولا التويني في حديث لـ"الرقيب"، إن قانون الحق في الوصول الى المعلومات هو "قانون مفصلي"، وقد أشار في أكثر من فقرة الى "الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد"، والاثراء غير المشروع"، و"حماية كاشفي الفساد"، ويجري العمل حالياً على هذه القوانين الثلاثة التي ستشكل "منظومة مترابطة لمكافحة الفساد". ويوضح التويني أن "لجنة الادارة والعدل أتمت العمل عليها، بانتظار أن تحال الى مجلس النواب لاقرارها". الى ذلك الوقت، يجري العمل على اقتراح قانون بمشاركة النائب روبير غانم لتوحيد الية إدارة المناقصات، لتكون هذه المنظومة "انقلاباً على كل مكامن الفساد في لبنان"، بحسب التويني.

 

"الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد"

 

بحسب التويني، فهي جهاز مستقل تماماً عن كل السلطات، لا علاقة لها بأي وزارة أو سلطة تنفيذية أو تشريعية، لها حق الملاحقة والتحري والاستقصاء، والتقدم أمام النيابة العامة بأي قضية مرتبطة بموضوع فساد من قبل أي شخص، حتى لو كان متمتعاً بالحصانة السياسية.

تتألف الهيئة (بعد اقرارها) من قضاة ومحامين وخبراء محاسبة وخبير في شؤون الادارة والمال، وهذه الهيئة تتمتع بالاستقلال المالي والاداري واعطيت لها الحصانات اللازمة حتى تكون متجردة وفاعلة في قراراتها واستقصاءاتها. لها صلاحيات واسعة وتتلقى كل الكشوفات والاخبار والشكاوى وتحتفظ بسريتها وهي تحيلها الى الهيئات الرقابية المختصة من المجلس التأديبي الى الهيئات القضائية وتلاحقها. كما للهيئة أن تتلقى التصاريح المالية التي يرفعها الموظفون الى المجلس الدستوري وتحفظها، وتدقق بها وفقا لقانون الاثراء غير المشروع (بعد تعديله)، ولها أن تمنح أوترفع الحماية عن كاشفي الفساد بموجب قانون حماية كاشفي الفساد (فور اقراره).

 

تعديل قانون "الاثراء غير المشروع"

 

يشرح التويني أن القانون موجود بالفعل، تحت مسمى "من أين لك هذا"، لكن "الظرف يبقى مرمياً في الخزنة الحديدية دون أن يفتح"،  اذ يقدم القضاة والموظفون من الفئة الثالثة او ما يعادلها فما فوق، الضباط، رئيس الجمهورية، رئيس مجلس الوزراء، رئيس مجلس النواب، النواب والوزراء، تصريحاً ضمن غلاف سري مغلق وموقع من صاحب التصريح يتضمن كامل ذمته المالية بما فيها الاموال المنقولة وغير المنقولة التي يملكها المصرح او زوجه او اولاده القاصرون. ويبقى سرياً وموقعاً من صاحب العلاقة. يستلم رئيس المجلس الدستوري التصريح ثم يوضع بواسطة موظف مكلف من قبله في سجل خاص بالتصاريح ومن ثم يحفظ في خزنة خاصة موجودة في المجلس وعندما يصبح عدد التصاريح كبيراً ولا تستوعبه الخزنة، يتم نقلها الى خزنة ثانية موجودة في مصرف لبنان المركزي، وتبقى هذه المغلفات سرية الا في حال الملاحقة القانونية بموجب شكوى، فيطلع عليها المرجع القضائي المختص وحده. وعلى المتضرر أن يقدم شكوى خطية موقعة منه إلى النيابة العامة او مباشرةً الى قاضي التحقيق الاول في بيروت، بالاضافة الى كفالة مصرفية مقدارها 25 مليون ليرة لبنانية كي تقبل الشكوى، ويعاقب كل من يقدم تصريحاً كاذباً بالعقوبة المنصوص عليها في المادة 462 من قانون العقوبات. نتيجةً لذلك لم يسجل لبنان أي شكوى في هذا المجال، وبالتالي لم تتم محاسبة أحد بموجب هذا القانون.

من هذا المنطلق، يهدف مشروع التعديل الى تفعيل القانون وذلك بنزع السرية عن التصاريح المقدمة بعد انتهاء المهمات الرسمية، والمقارنة بعد الكشف على التصاريح لتحديد اوجه واسباب الاختلاف بين التصريحين الأول والثاني، وذلك بشكل فوري بعد تقديم التصريح الثاني من قبل الجهة المسؤولة، وفي حال ثبوت الاثراء غير المشروع تتم الملاحقة والمحاكمة وفق الاصول.

 

قانون "حماية كاشفي الفساد"

 

بموجب هذا القانون، يحصل "الكاشف عن الفساد" على ضمانات من شأنها أن تزيد من جرأة من يشهد مخالفة ويتردد في الكشف عنها، اذ تضمن له:

  • سرية الهوية، ويستمر ذلك الى ما بعد احالة القضية الى الهيئات القضائية أو التأديبية المختصة، فيما يحق للهيئة اسقاط السرية عن مقدم الشكوى اذا تبين لها أن المعلومات قُدّمت إليها افتراءً أو عن طريق الغشّ أو باختلاق مستندات.
  • الحماية الوظيفية، وذلك من خلال تدابير جزائية اذ يتعرّض من ألحق ضرراً وظيفياً بكاشف الفساد لغرامةٍ تتراوح بين 10 ملايين ليرة و100 مليون ليرة. كما ينصّ القانون على آليات جبر ضرر عدّة، منها رفع التعويض في حال الصرف التعسفيّ إلى راتب إثني عشر شهراً حتى أربعة وعشرين شهراً. ويعتبر بموجب الاقتراح، أن ضرر الكاشف الوظيفي ناشئ حكماً عن الكشف، ويقع على الإدارة عبء إثبات العكس.
  • الحماية من الأضرار غير الوظيفية، كالتعرّض الجسدي أو المعنوي (ضغوطات، تهديدات..) للكاشف أو لأحد أفراد عائلته أو لأحد العاملين لديه بسبب تقدّمه بالكشف. وللهيئة أن تطلب من النيابة العامة أو القوى الأمنية المختصة إتخاذ الإجراءات الأمنية المناسبة لحماية الكاشف وأحد أفراد عائلته والعاملين لديه أو الخبراء والشهود.
  • المكافأت والمساعدت، بنسبة مئوية لا تتعدى 5% من قيمة الأموال المحصّلة بنتيجة كشف الفساد أو من قيمة الخسارة أو الضرر المادي التي تجنبته الخزينة العامة بنتيجة الكشف عن الفساد، لما في ذلك من تحفيز للاخرين على المبادرة بمثل هذه الخطوات.
  • العذر المحلّ والمخفّف، في حال كان كاشف الفساد شريكا في أحد جرائم الفساد، فإنه يستفيد من العذر المحلّ شرط أن يكون بادر إلى كشف الفساد قبل مباشرة الهيئة أو القضاء أي تدبير استقصاء أو تحقيق أو أي عمل من أعمال الملاحقة أو المحاكمة.

 

 

استثنى قانون الحق في الوصول الى المعلومات الاطلاع على:

– أسرار الدفاع الوطني والأمن القومي والأمن العام.

– إدارة العلاقات الخارجية للدولة ذات الطابع السري.

– ما ينال من المصالح المالية والاقتصادية للدولة وسلامة العملة الوطنية.

– حياة الأفراد الخاصة وصحتهم العقلية والجسدية.

– الأسرار التي يحميها القانون كالسر المهني او السر التجاري مثلاً.

– وقائع التحقيقات قبل تلاوتها في جلسة علنية، والمحاكمات السرية، والمحاكمات التي تتعلق بالأحداث والاحوال الشخصية .

– محاضر الجلسات السرية لمجلس النواب او لجانه، ما لم يقرر خلاف ذلك.

– مداولات مجلس الوزراء ومقرراته التي يعطيها الطابع السري.

– المستندات التحضيرية والإعدادية والمستندات الادارية غير المنجزة.

– الآراء الصادرة عن مجلس شورى الدولة إلا من قبل اصحاب العلاقة في إطار مراجعة قضائية.

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.