أكثر من حراك.. وأقلّ من ثورة

بقلم د. نواف كبارة /

يمكن للتاريخ أن يسجل أن 17 تشرين الأول هو تاريخ انتفاضة الشعب اللبناني على نظام الزبائنية في لبنان.

وبوعيٍ، أو من دون وعي، ينتفض الشعب اللبناني على نظام التقاسم والتحاصص الطائفي السائد منذ تطبيق اتفاق الطائف سنة 1990 حتى الآن. فمنذ عقود، يستند العقد الاجتماعي السياسي الذي يقوم عليه لبنان على نظام شبيه بالعقد الاجتماعي الذي اقترحه الفيلسوف البريطاني توماس هوبز من حيث إعطاء المواطنين السلطة بكاملها لقائد يختاروه، مقابل أن يؤمن لهم هذا الأخير الأمن والاستقرار. فعندما فرض الفرنسيون على لبنان نظامه الديمقراطي الأقرب إلى فكر مونتسكيو وجان لوك، انتخب اللبنانيون، كل في عشيرته وطائفته ومنطقته، زعيماً أولوه كامل السلطة خارج أي آلية للمحاسبة حول الحق العام، طالما أن هذا الزعيم يلبّي لهؤلاء المواطنين مصالحهم الذاتية من الدولة في تأمين التوظيف، والمصالح الاقتصادية الضيقة، والرعاية الاجتماعية.  ولم يخفَ على هؤلاء اللبنانيين أن هذا الزعيم يموّل زعامته وخدماته من الحق العام، بل نظّروا إلى هذه الاستباحة للمال العام وكأنه شرط من شروط بناء القوة السياسية لهذا الزعيم، وبالتالي لقبيلته، طائفته، ومنطقته.

لقد أدّت الحرب اللبنانية إلى انتقال جزء وازن من نظام الزبائنية السياسية من الزعيم إلى التنظيمات الميليشياوية التي أنتجتها الحرب اللبنانية.

إن معضلة النظام الزبائني القائم هي عدم قدرة الاقتصاد اللبناني ـ كما هو قائم ـ على تمويل حاجات ومتطلبات النظام الزبائني سياسياً. من هنا أهمية وخصوصية الحراك الشعبي السائد. فقد شهد لبنان منذ التسعينات تحركات شعبية، ومعارضات نيابية وسياسية للنظام الزبائني، إلا أن الطائفية السياسية التي كان يحميها ويمولها هذا النظام، كانت تنجح دائما بإجهاض هذه التحرّكات والمعارضات.

في الحراك القائم، انتفض معظم الشعب اللبناني ضد النظام الزبائني، وبهذا تخلى هذا الشعب عن انتماءاته القبلية والمناطقية لمصلحة التلاقي مع الآخر في الوطن، كنتيجة طبيعية لتعثّر هذا النظام في تأمين حاجات القبائل والمذاهب اللبنانية.

خرج اللبنانيون من قوقعة النظام الطائفي إلى رحاب الخطاب الوطني اللبناني.  ولكي تتحول هذه الانتفاضة إلى ثورة حقيقية، لا بد من الخروج باتجاه عقد اجتماعي جديد يستند على قوى اجتماعية جديدة، ويقوم على خطاب سياسي جديد عماده الهوية الوطنية على حساب أي ولاءٍ آخر.

إن التحركات القائمة بشكلها الحاضر، لن يخرج منها إلا بعض الإصلاحات الشكلية التي يمكن أن تقدم عليها السلطة، بما فيها تغيير الحكومة وإصدار بعض القوانين الإصلاحية، بينما المطلوب هو تغيير في القوانين والآليات المشكّلة للسلطة القائمة. ومن حسن حظ المنتفضين أن اتفاق الطائف يلحظ هذه التغييرات المطلوبة. من هنا المطلوب الآن من الحراك هو ما يلي:

  • الإعلان عن مشروع سياسي يتناول فيه طبيعة التغييرات المطلوبة لإنشاء سلطة تقوم على الهوية الوطنية والعدالة الاجتماعية، وهذا يعني بوضوح خوض معركة إنشاء الدولة المدنية وإلغاء هيمنة المذاهب وتكتلاتها السياسية على الدولة ومفاصلها.
  • إنشاء تكتل شعبي واسع يؤسس لحزب وطني على امتداد الأرض اللبنانية، يتخطى في الوقت الراهن الخلافات حول البرامج الاقتصادية والاجتماعية، ويكون بديلاً للأحزاب المذهبية والسياسية القائمة. ويقوم هذه التكتل الشعبي بفرض شروط اللعبة الديمقراطية الحقيقية على النظام السياسي اللبناني، ويخوض معركة الحصول على الشرعية الشعبية عن طريق انتخابات حقيقية حرة ونزيهة.

إن هذه اللحظة القائمة هي فرصة نادرة في تاريخ لبنان للوصول إلى تغيير حقيقي، لذا لا نملك ترف فقدانها.

إن اعتماد القبول بالقليل المطروح "حتى ما نخسر الكل"، أو اعتماد سياسة "خذ وطالب"، لا قيمة لها إلا بعد الإعلان عن المشروع السياسي وإنشاء التكتل الشعبي الجديد.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.