لا صوت يعلو فوق صوت الثورة: طرابلس نموذجاً

د. أيمن عمر (*)  

عاصمة "ثورة تشرين" اللبنانية: هذه هي طرابلس. ليست طرابلس موئلاً للإرهاب ولا معقلاً للمخربين ولا مسرحاً لأصوات الرصاص ولا لجولات الاشتباكات الدموية، كما كان يصوّرها الإعلام وكما كان هو واقع الحال. تحوّلت طرابلس إلى أيقونة "ثورة تشرين" ومصدر إلهامها ونَفَسها النضالي والثوري. نعم عادت طرابلس كما كانت لتلعب دورها التاريخي والريادي في قيادة حركات النضال والمقاومة.

نعم عاد صوت علي عكاوي مع رفاقه السنّة والعلويين وثورة الفلاحين والمحرومين، لتصدح في أزقة طرابلس وشوارعها لمواجهة النظام الرأسمالي القمعي الفاسد. نعم بُثّت روح الشهيد خليل عكاوي "أبو عربي" ـ الثائر الفقير الخارج من رحم الطبقة الفقيرة ـ في وعي جميع طبقات المجتمع الطرابلسي واللبناني بأكمله، لتحيي الكرامة والعزّة من جديد، لتقول إن الوطن كرامة، الوطن وقفة عزّ، الوطن هو الحرية، الوطن هو الموئل والروح، وليس الوطن هو المزرعة والفساد والتبعية والطائفية والمذهبية.

وكما أحيت حرب تشرين 1973 الأمل في الشعوب العربية في قدرتهم على مواجهة العدو الخارجي والانتصار عليه، فإن "ثورة تشرين" اللبنانية قد أحيت الأمل، بل ولّدت القناعة وشكّلت وعياً وطنياً بالقدرة على مجابهة العدو الداخلي الأخطر، هذا العدو المستشرس الشديد الوطأة المستوحش المستذئب.

هذه الأصوات المليونية في مختلف الساحات ومن مختلف المذاهب والمشارب" تصدح بأصوات "حسّونية" تفعل فعلها السحري في القلوب والعقول المنكسرة، وكأن "فيروز" عند الصباح الباكر ترخي بظلالها على الأحاسيس المرهفة.

هذه الأصوات المنتشية بروح الكرامة الوطنية وهي تلبّي نداءات جوليا بطرس لثوار الأرض بالثورة على الطغيان، فيلاقونها في الساحات "لبيك يا ثورة" ضد الفساد والمفسدين وضد الظلم والظالمين، وضد طبقة سياسية عاثت في البلاد والعباد ظلماً وعتّواً وفساداً، كبائعة الهوى على قارعة الطريق وهي تحاضر بالعفّة والطهارة.

لا صوت يعلو فوق هذه الاصوات المنتفضة على واقعها الأليم، فهي السلطة وإليها تعود.

لم يعد ينفع ترقيع وإعطاء الأوكسجين لهذا النظام البائس البائد.

لم يعد يُجدي ترميم هذا النظام الليبرالي المتوحش، الذي يدعس برجليه وينهش بفكّيه ويسحق بيديه كل الطبقات ليزيد الحرمان والتهميش والتفاوت الاجتماعي، ويزداد الفقير فقراً.

لم تعد ينفع ريعية النظام المصرفي الجشع وهو كأسماك القرش تبحث عن دماء الشعب والمال العام لتمصّ دمه على موائدهم اللئيمة الخبيثة.

إنّ الحلّ هو ما يقرره الثوار، فهم الحكومات وهم النواب وهم القضاة.

على هذا النظام الفاشي الفاسد أن يندثر في جبال النفايات التي خلّفوها في الشوارع وبين المنازل، حتى لا يذكر التاريخ هذا النظام إلا في مزبلته. ولنبدأ باستقالة الحكومة الحالية وتشكيل حكومة طوارئ إنقاذ وطنية لتحاسب الفاسدين وتدكّهم دكّاً في غياهب السجون التي بنوها، وتُجري انتخابات نيابية مبكرة تليها رئاسية تعكس روح الثورة وتطلعات الناس وأحلامها، وتستردّ جميع الأموال المنهوبة منذ عقود.

التغيير آتٍ لا محالة.

 (*) باحث في الشؤون الاقتصادية والسياسية
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.