من أي باب يدخل الحريري البيت الأبيض؟

هو المشهد ذاته قبل ست سنوات. رئيس الحكومة سعد الحريري في البيت الأبيض، وإن بتفاصيل متغيّرة. الوضع الإقليمي في الشرق الأوسط تغيّر، الوضع اللبناني قد تغيّر بدوره.. حتى الرئيس الأميركي تغيّر. لكن المؤكد أن الحريري الابن يُريد أن يلعب الدور الذي كان يتميّز به والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري على الساحة الدولية، أو على الأقل دوره الإقليمي والدولي الذي كان يلعبه بعد اغتيال والده.

نغم أسعد

يُشكّل لقاء الحريري مع الرئيس المثير للجدل دونالد ترامب، العودة الأولى لـ"الحريرية السياسية" إلى البيت الأبيض بعد ستّ سنوات من اللقاء الشهير مع الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في 12 كانون الثاني 2011. يومها عبر الحريري البوابة الخارجية لحديقة البيت الأبيض رئيساً للحكومة، لكنه دخل باب البيت الأبيض رئيساً سابقاً للحكومة بعد انهيار حكومته إثر استقالة وزراء "التيار الوطني الحر" ووزراء "حزب الله" و"حركة أمل". لكن هذه المرة، لا خوف من "تكرّر المصاب"، فالحريري حصل على ضمانات بأن يعود إلى بيروت كما غادرها، بل إنه حصل على تفويض "مبدئي" من شركائه في الحكم، وخصوصاً من "حزب الله"، ببحث قضية العقوبات المالية الأميركية على لبنان.

وفي ظلّ الوضع الإقليمي المتدهور والخلافات العربية – العربية، يبحث الحريري عن ضمانة جديدة لبقاء حكومته كي لا تدفع ضريبة التداعيات السياسية، سواء تمّ الاتفاق على تسوية الأزمات في سوريا أو في الدول الأخرى. وترى مصادر مراقبة للزيارة أن "الضمانة" العربية للحريري "لم تعد كافية له، خصوصاً في ظلّ الخلافات العربية – العربية والاتفاق الروسي – الأميركي حول الجنوب السوري"، وهو بذلك، يبحث عن "ضمانة أميركية تحمي حكومته، وفي الوقت ذاته المحافظة على فرص العودة رئيساً للحكومة اللبنانية من الباب العريض بعد الانتخابات النيابية المقبلة".

لا يخفى على أحد أن العلاقات اللبنانية – الأميركية، بعد اغتيال الحريري الأب، وصلت إلى ذروتها في عهد رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة وما نسجه من علاقات متينة مع سفير أميركي "استثنائي" هو جيفري فيلتمان. لكنّ الأمور تغيّرت تباعاً مع النفوذ والحضور القوّي الذي أصبح يتمتّع به "حزب الله" – "العدو اللدود" لواشنطن ومن خلفها حليفتها تل أبيب – داخل البرلمان اللبناني وفي الحكومات المتعاقبة، والتي أثمرت في نهايتها إلى تولّي حليفه العماد ميشال عون رئاسة الجمهورية.

فالحريري الابن، الذي يزور واشنطن وهو شريك لـ"حزب الله" في الحكومة، مع ما سيحتلّه ملف الحزب والعقوبات الاقتصادية عليه من حيّز كبير ضمن ملفات الزيارة، يُدرك أن  الرئيس  الأميركي "لم يعد الصديق الذي يحتفي به" أسوة بـ"الهالة" التي رافقت والده الشهيد والتي "تسلّح" بها في لقاءاته برؤساء الدول العربية قبل الغربية، وهو ما كان يظهر جلياً في "اختلاف تعاطي" السعودية معه، وإن حاول تصحيح علاقته بها بعدما أصبح محمد بن سلمان ولياً للعهد. وقبل الزيارة الأميركية، حرص الحريري على أن يزور جدة، ويلتقي بن سلمان حرصاً منه على "تثبيت المرجعية العربية" الحليفة الأولى للأميركيين اليوم.

إذن يعوّل الحريري على أن تكون الزيارة "أول العلاقات المُثيرة مع رئيس أميركي مثل دونالد ترامب، والتي يُمكن أن تُساعد إلى حد كبير في صياغة السياسة الأميركية نحو لبنان والحفاظ على الدعم الأميركي"، إذ أنه على الرغم من أن السياسة الأميركية الجديدة تجاه لبنان "لم تتبلور بالكامل بعد"، إلا أن "الاهتمام باستقرار لبنان هو الثابت الذي لم يتبدّل من الإدارة السابقة".

وفي هذا الإطار، ترى المصادر أن اللبنانيين "يجب أن لا يكونوا ضحية للمواجهة بين واشنطن وطهران"، ولذلك فإن الزيارة "ستُعزّز نهج الفصل بين العقوبات على حزب الله والدولة اللبنانية ومصالح الشعب المتمثّلة بالقطاع المصرفي والاقتصادي". وتُراهن المصادر على قدرة الوفد اللبناني، الذي يضمّ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، في إقناع الإدارة الأميركية بأن "القانون المقترح سيؤذي لبنان وقد يؤدي الى انهياره مالياً، من دون أن يوصل الى النتيجة المتوخاة منه لجهة التضييق على حزب الله لدفعه إلى الانصياع".

أما المسائل الأخرى، والتي لا تقلّ أهمية عن ملف العقوبات، فهي عبارة عن أمور روتينية، خصوصاً لجهة طلب الحريري من الولايات المتحدة المساعدة في ملف اللاجئين السوريين في لبنان، وزيادة الدعم للجيش اللبناني في ضوء معلومات متوافرة عن احتمال خفضها بعد السياسة الجديدة لترامب بتقليص موازنتي وزارتي الخارجية والدفاع، وتشديده على تعزيز الانفاق على الجيش الأميركي، علماً ان زيارة الحريري تسبق بأسابيع زيارة قائد الجيش العماد جوزف عون لواشنطن في 12 آب المقبل.

لقاء ترامب-الحريري

وبالفعل، حمل اللقاء مع ترامب مساء الثلاثاء "بشائر خير" لناحية الدعم الأميركي للجيش اللبناني والدولة اللبنانية في موضوع النازحين السوريين. إذ أكد الرئيس الأميركي أن "الجيش اللبناني قد حقق في السنوات الأخيرة إنجازات عظيمة ضدّ الإرهاب، ونحن فخورون بالمساعدة في هذه الحرب وسنستمرّ في ذلك، وبمساعدة أميركا تستطيع أن تضمن أن الجيش اللبناني سيكون المدافع الوحيد الذي يحتاجه لبنان وهو قوة محاربة قوية وفعالة جدا وأن صمود الشعب اللبناني يأتي من الداخل".

وأضاف ترامب: "أتعهد أن أدعم الاحتياجات الإنسانية للنازحين السوريين في لبنان، وبقاءهم قرب دولتهم".

ولم يغب عن ترامب اتهام "حزب الله" بـ"الولاء لإيران أولاً قبل لبنان"، معتبراً أن "حزب الله يُمثّل تهديداً للدولة اللبنانية والشعب اللبناني والمنطقة بأكملها. لكنّه في المقابل، أعلن أنه لم يتّخذ قراراً بعد بخصوص العقوبات الأميركية على "حزب الله".

من ناحيته، طمأن الحريري إلى أن الدعم الأميركي للجيش اللبناني "سيكمل كما كان في السابق"، مؤكداً أن لبنان سيستكمل التعاون مع الولايات المتحدة في موضوع العقوبات الأميركي كما سيُكمل الوفد اتصالاته مع "الكونغرس" للوصول إلى تفاهمات في الملف".

وفي عشاء أُقيم على شرف الوفد الرسمي اللبناني في السفارة اللبنانية في واشنطن، أكد الحريري أن "لبنان يعيش الآن وسط منطقة تشهد الكثير من الفوضى وقد تمكّنا من الحفاظ على الاستقرار فيه من خلال إرساء التوافق بين كافة الأفرقاء السياسيين"، مُشيراً إلى أن "هدفنا الأول هو تقوية المؤسسات والجيش اللبناني والقوى الأمنية لكي تبسط سيطرتها على كامل الأراضي اللبنانية".

وأضاف الحريري أن الأيام التي مرّت كانت صعبة بالمفهوم السياسي ولكن المهم هو أننا توافقنا منذ أن شكّلنا هذه الحكومة على أن نُكمل المسيرة لمصلحة البلد . قد تحصل مخالفات وآراء متباينة حيال ما يحصل في البلد عند جميع الأفرقاء السياسيين لكن المهم هو أن يستطيع البلد من أن يحمي نفسه وأن يتمكّن الجيش اللبناني من القيام بواجباته لحماية اللبنانيين والمخيمات والحدود اللبنانية".

هي، إذن، زيارة بمثابة الانطلاقة في جولة دولية تشمل موسكو وباريس خلال شهر آب المقبل، فهل ينجح الحريري في حشد الدعم لمواقفه السياسية ويضمن بذلك مستقبله كرئيس للحكومة "لولاية ثانية"؟

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.