لبنان.. في مخاض النظام الدولي الجديد!

المحامي الياس عقل خليل /

يقود المنطق السياسي، والتحليل العقلاني لمجريات الأزمة الراهنة، إلى الاستنتاج بأن لها ثلاثة أبعاد: داخلي وإقليمي ودولي. قبل الشروع في تحليل هذه الأبعاد، لا بد من الاعتراف بأن هذه الأزمة لم تكن لتحدث لو تحقّق نصر كامل وواضح لـ"حزب الله" أو لإسرائيل في الحروب التي دارت بينهما. ولكن غياب مثل هذا النصر يحاولون الاستعاضة عنه بنظام دولي جديد.

إذا راجعنا الأحداث الإقتصادية والأمنية والسياسية التي بدأت منذ بداية التسعينات من القرن الماضي، نرى أن الدول الخمس الكبرى، وبالأخص الولايات المتحدة وروسيا مع الدول الأوروبية، قد بدأوا بخلق نظام دولي جديد إقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا.

إقتصاديًا: انهيار الإتحاد السوفياتي وقيام المارد الصيني من غفوته، نبّه الولايات المتحدة التي هي اليوم القوة الاقتصادية الرئيسة الممثلة للنظام الرأسمالي العالمي، ويتبعها الدول الأوروبية المنتمية إلى البلدان الصناعية الكبرى.

لقد ارتأت الولايات المتحدة الأميركية أن النظام الإقتصادي الحالي الليبرالي لا يلبي طموحاتها الاستراتيجية حول العالم، على الرغم من أنها "دولرت" عملات العالم بأسره. فخلقت نوع عملة جديد هو "الكوين" ((coin الذي يستغني عن الورقة الخضراء، وقد بدأت الشركات الصناعية الأميركية الكبرى بالتداول به.

وبدأت الدولة الأميركية تساهم بنشر هذه العملة الجديدة بمساهمة العقل الإقتصادي والمالي والتجاري الإسرائيلي في العالم. لذلك بدأت هذه الأخيرة بتفكيك دول الشرق الأوسط، العراق وسوريا ولبنان، بالإضافة إلى محو القضية الفلسطينية، وخلق أزمات عنصرية طائفية وحتى مذهبية، لأن هذه الدول قد خلقتها إتفاقية سايكس بيكو التي لم تعد تساهم بنشر سياسة الولايات المتحدة وشريكتها إسرائيل لقيام العالم الجديد.

سياسيًا: نعلم جيدًا بأن كل نظام إقتصادي يلزمه نظام سياسي يحميه من كافة الخروق، ومن المضاربات الخارجية والداخلية. لذلك، بدأت أميركا وروسيا نشر نفوذهما في مناطق الشرق الأوسط، لتقسيمه والحصول على أهم موارده الإقتصادية ألا وهي النفط ومشتقاته، والمواد الأولية كالأورانيوم ومشتقاته، إذ تبيّن أن دول الخليج وخاصة السعودية صحراؤها الغنية بالموارد الأولية التي تتمتع بقوة اقتصادية ومالية لا مثيل لها. لذلك أخذت بتقسيم هذه الدول إلى دويلات لها كيانها الخاص، وتدور في فلكهما، وذلك لأخذ موادها الطبيعية، مما أدى إلى خلق نظام سياسي جديد سيبصر النور بعد إتمام جميع العناصر القانونية واللوجستية والدولية.

أمنيًا: إن مشروعَي الشرق الأوسط الكبير والأورومتوسطية يعودان إلى أواخر القرن العشرين، كما أسلفنا سابقًا، ارتكزا بالأخص على استراتيجيات ومصالح اقتصادية أميركية وأوروبية في ظروف عالمية متجددة. في هذا السياق، يجري العمل على شرق أوسط جديد أكثر مؤاءمة مع الظروف الدولية القائمة.

ولما حلّ القرن الحادي والعشرون، طُرح مجددًا موضوع هذه المنطقة التي تنصرف المشاريع الكبرى في تحديد اطرها وملامحها، بحسب المعطيات والحاجات الآنية لأصحاب هذه المشاريع. فجيوسياسية الشرق الأوسط تخضع، في كل مرة، للتعديلات اللازمة، حتى أتى المشروع الأبرز في سياق الحادي عشر من أيلول 2001، أي محاربة الإرهاب الدولي الذي تجرأ وضرب القوة العظمى في عقر دارها.

كانت النتيجة برنامج مساعدات في مجالات الإقتصاد والسياسة والتربية وحقوق المرأة، يغطي المنطقة من شمال أفريقيا حتى المملكة العربية السعودية.

لذلك، وفي المقابل في الشرق الأوسط نفسه، أخذت ملامح المشروع الإقليمي تتبلور، ليس إيديولوجيًا فقط، بل استراتيجية سياسية وعسكرية وبالتالي أمنية.

النتيجة: بما أن الشرق الأوسط الجديد سيكون نقطة الانطلاق لقيام نظام جديد فيه يلقي بظلاله على العالم بأسره، وبما أن كل نظام اقتصادي بحاجة إلى نظام سياسي جديد لكي يسير به وفق معايير قانونية سلمية، ولأنه بحاجة إلى نظام أمني دولي جديد تديره منظومة جديدة كمنظومة الأمم المتحدة الحالية، تكون قد اكتملت عناصر قيام العالم الجديد، ليس الشرق الأوسط الجديد، فحسب بل العالم بأسره. وقد أصبح قيام العالم الجديد، استنادًا إلى هذا المشروع، وبالأخص إلى هذه المنظومة الدولية الجديدة التي ترأسها إحدى الدولتين أميركا أو روسيا، أشبه بدولة كبرى مترامية الأطراف ومرتبطة مباشرة في ما بينهما بالعوامل السياسية والإقتصادية والأمنية نفسها.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.