البلد وقع في فخّ الدولار.. ماذا عن العهد؟

نورما أبو زيد /

كانت هناك قناعة راسخة، بأنّ المجتمع الدولي لن يسمح بانهيار لبنان. واليوم تأكّد أنّه لا يمكن الركون إلى هذه القناعة الواهمة، بعدما بلغ لبنان مرحلة الإفلاس الاقتصادي.

التفسيرات التي يمكن إعطاؤها للسقوط اللبناني كثيرة، منها ما هو داخلي، ومنها ما هو خارجي. وبين هذا وذاك، تبقى الاستدانة والفساد الوصفتان الأكثر نجاعة اللتان أُعطيتا للبنانيين كي يتدهور وضعهم "الصحّي"، تمهيداً لـ "التعافي" في "مستشفى السلام الإقليمي لأمراض اللاوطنية". واللبنانيون واظبوا على الوصفتين بجهل، إلى أن بلغ البلد مرحلة الاهتراء التي لا ينفع معها دواء.

الاستدانة العمياء بفوائد خيالية بلغت 88 بالمئة من قيمة الدين العام، خُطّط لها لإلزام لبنان بخيارات سياسيّة يستحيل تمريرها في حالة الدولة القوية. افتُعِل الانهيار الاقتصادي، وترافق مع سياسة فساد وإفساد ممنهجة إلى أنّ بات الفساد "ميثاقياً".

أوّل "خزق" كان مع أوّل استدانة عام 1992. ومع كلّ استدانة كانت يتوسّع "الخزق"، إلى أن بات حفرة عصيّة على الرقع. وفي هذه الحفرة يقبع اللبنانيون، باستثناء طبقة المستفيدين من السلالات الحاكمة وحواشيها.

قروض "سيدر" هي المُسكّن الوحيد، الذي بإمكانه أن يُنسي اللبنانيين وجعهم الاقتصادي جزئياً ومرحلياً، ولكن من الواضح أنّ أجندات المقرضين تختلف عن أجندات اللبنانيين. وعليه، أموال "سيدر" قد لا تسلك طريقها إلى لبنان، وبات ملحاً الاتفاق على خطة ما بعد التفليسة.

ولكن هل بلغنا حديثاً مرحلة الإفلاس الكامل؟ وماذا عن مسؤولية العهد عن هذه التفليسة؟

منذ وصوله إلى سدّة الرئاسة، يمشي الرئيس ميشال عون في حقل ألغام. فرغم تبصّره ومعرفته العميقة بحجم المخاطر المحيطة، ومحاولته المشي بالتالي بين الألغام، ينفجر لغم مع كلّ خطوة يخطوها.

لم يسبق لرئيس جمهورية أن واجه الصعوبات التي يواجهها الرئيس عون، وكلّ الألغام التي انفجرت سابقاً أشّرت بما لا يقبل الشكّ، إلى أنّ حرباً كبرى تشنّ على شخصه وعهده. ولكن عبوات الدولار والبنزين والإشاعات والشارع التي انفجرت مؤخراً، تشي بأنّ يداً داخلية خفيّة تضغط على الزر، وأنّ أيادٍ خارجية كثيرة تصفّق احتفاءً.

فليس بريئاً أن ننتقل بكبسة زر إلى عصر شحّ الدولار.

وليس بريئاً أن تمنع المصارف تدفّق الأموال عن المودعين، وأن تعطيهم أموالهم بالقطّارة.

وليس بريئاً أن يحتكر الصرافون العملة الخضراء، وأن يتحكّموا بسعر صرف الدولار.

وليس بريئاً أن يعلن أصحاب محطات البنزين إضراباً مفتوحاً.

وليس بريئاً لا بل مقرفاً الهجوم الكلامي الذي يتعرّض له العهد. كما وليست بريئة الإشاعات التي تبثّ يومياً حول أداء العهد.

لا شكّ أنّ الرئيس ميشال عون عجز عن تحقيق برنامجه الإصلاحي بالصورة التي يريدها بسبب كثرة الألغام المزروعة في حقله، ولكن هذا العجز اللاإرادي ليس مبرِّراً لإطلاق الشائعات، التي تستهدف الرئيس عون حصراً دون سواه من المسؤولين. علماً أنّه يُعَدّ "طارئاً" على عالم السلطة، مقارنةً بشركائه في الحكم الذين دخلوا جنّة السلطة بالتزامن مع نفيه القسري إلى باريس، ولم يخرجوا بعد. والسؤال الأهم هو: لماذا يتمّ تحميل الرئيس عون وزر سياسات هؤلاء، الذين استغلوا مالية الدولة علناً طيلة أكثر من ربع قرن، وجيّروا أموال خزينتها إلى صناديقهم، علماً أنّ هؤلاء الذين تورّطوا مالياً، وورّطوا البلد اقتصادياً ما زالوا في السلطة؟

الأكيد هو أنّ هناك حملة على الرئيس عون. والأكيد هو أنّ هذه الحملة ليست لغايات وطنية نبيلة. ولو كانت كذلك، لكانت بوصلتها أخذتها إلى أماكن مختلفة. وربما من المفيد إنعاش ذاكرة اللبنانيين، بأنّ يداً خفيّة تلاعبت بسعر صرف الدولار في العام 1992، للإطاحة بعمر كرامي. وبما أنّ شحّ الدولار وإفراج المصارف بصعوبة عن الودائع، هما أساس الهجمة الراهنة على العهد، يحقّ لنا أن نسأل ما إذا كان الوضع المالي الحالي نتيجة هندسات مالية غبية، أو نتيجة هندسات مالية وسياسية تستغبينا. وبالتالي يصبح مشروعاً السؤال ما إذا كانت معركة الدولار والمصارف التي تشنّ بوجه العهد، مقدّمة لمعركة رئاسية بدأ التحضير لها من الآن؟

الانتخابات الرئاسية على بعد ثلاث سنوات، ومضرٌ تمشيط الذقون من الآن. مضرٌ للممشّطين. ومضرٌ للبلد. لذا، حلّوا عن الرئيس عون. الأفخاخ الموجودة أكثر من كافية، ولا ينقصه وينقصنا فخ الدولار.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.