البحث عن اقتصاد سليم.. وإلا…

  بسام ضو (*)

عبثًا حاولتم أيها السياسيّون تجميل صورة نهجكم السياسي، فأنتم تُخالفون أبسط أنواع الديمقراطية المتعارف عليها علميًا… وفي نظرة أكاديمية إلى منظومتكم السياسية المنتهجة، فلقد تباينت واختلفت تعريفات الاختصاصيين والمجتمع الدولي، ولكنها أجمعت على أنكم طبقة سياسية فاسدة ومُفسِدة وتاجرة من الصنف الأول. أحد علماء السياسة، ويُدعى ديفيد أيستون يُعرّف النظم السياسية بأنها مجموعة من التفاعلات والأدوار التي تتعلق بالتوزيع السلطوي للقيم. أمّا أنتم فالعكسُ صحيح، ونرى تناتشًا على السلطة واغتنام مقدرّاتها وسرقة المال العام، وفي نهاية المطاف تتقاسمون الجبنة وتدّعون حرصكم على المال العام وعلى الشعب وعلى الإقتصاد الوطني، بينما المعابر غير الشرعية مفتوحة على مصراعيها…

النظم السياسية هي مجموعة الأداء الأبرز في تحديد وإبراز المشكلات، وإعداد وتنفيذ القرارات في ما يتصِّل بالشؤون العامة. أما أنتم فغافلون عن شؤون الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية الشرعية…

يُحدّد العلم السياسي السلطة بأنها مجموعة من المؤسسات الحكومية الشرعية المنبثقة من انتخابات حرّة ونزيهة عملاً بالمبادئ الديمقراطية المنتهجة، وتهدف السلطة إلى تحقيق الاستقرار السياسي ـ الأمني، ولهذا يجب أن يتفاعل هذا النظام مع البيئة المحيطة به بما يؤدي إلى استمراره وتحقيق الاستقرار السياسي.

في الأنظمة الديمقراطية تبذل القوى السياسية جهودًا متواصلة لدعم ركائز التنمية السياسية والديمقراطية، وتمكين مواطنيها من المشاركة في صنع القرار من أجل دولة متطورة قادرة على مواكبة التغيرات السياسية ـ الأمنية ـ الإقتصادية الإجتماعية… والتكيُّف مع التحديات المحلية ـ الإقليمية ـ الدولية… ولكن أنتم في لبنان تغذّون الفتن وتُقلِّبون الشعب على بعضه البعض… عساكم في يومٍ من الأيام تستفيقون من هذا الجهل السياسي القائم والمعشعِش في أفكاركم. وانتبهوا إلى ما يقوله علماء السياسة في ما خصّ أمثالكم من الفاشلين في ممارسة العمل السياسي، وأرجو ألاّ تطول فترة فقدان الرشد، لأنني على ما أعتقد هناك ثورة تحت الرماد، فحذار ثورة الشباب والكهول والأمهات والأرامل والفقراء ومن في أرحامهم ثمرة حياة قادمة…

عاش الشعب اللبناني منذ إقرار وثيقة الوفاق الوطني حالة غير مسبوقة من حياة انعدام الأمن وسيادة الفوضى بسبب احتقان سياسي ـ اجتماعي ـ أمني داخلي، وتداخلات خارجية ابتُليّ بها الشعب اللبناني بكثير من المآسي وذكريات رهيبة، كان آخرها خطف وقتل عسكريين وتهريب إرهابيين ومحاكمات صُوَريّة وُعدنا بها… والأكثر من كل ذلك سلاح غير شرعي مستشري على كامل الأراضي اللبناني، معابر غير شرعية قائمة، ناهيك عن حالات الفوضى في مطار بيروت ومرفأ بيروت واللائحة تطول… إضافةً إلى مديوينة فاقت الـ100 مليار دولار دون حسيب ولا رقيب، وما زال الشعب اللبناني بكل أطيافه يُعاني من فقر مدقع وذلك بحسب إحصائيات وثّقتها الأمم المتحدة وجمعيات محلية… وطبيعي أن يتحمّل تلك المسؤولية هؤلاء السياسيون لأنهم السبب في كل الفشل والكسل والفوضى والعجرفة، وبالتالي جميع مظاهر الفشل برمتها هي من مسؤوليتهم، وعليهم تقع تبعات قانونية نأمل أن يأتي يوم ويكون قوس المحكمة هو الكلمة الفصل، بعد هيجان الشارع المُنظّم والذي سيقود إلى التغيير.

سياستكم تقوم على مبدأ الفوضى والتبعية والارتهان والاستتباع، ومهما حاولتم تلميع صورتكم، سواء أكان بخطاب من هنا أو بإجتماع من هناك، ومهما حاولتم أن تشرحوا ما يحصل من منظوركم الرسمي، اعلموا أنكم لن تجدوا أحدًا يُبرِّر منطق الفوضى الذي عاث فسادًا في شتّى المجالات السياسية ـ الأمنية ـ الإقتصادية ـ الإجتماعية.

إنّ أي عملية إصلاح سياسي ـ إقتصادي لا تحدث من فراغ ولا تنطلق من مجرد تجربة في التغيير الصُوَري، إذ لا بدّ من توافر بيئة مناسبة أو ظروف موضوعية تدفع باتجاه إصلاح ثوري تغييري، وذلك لتجنّب الآثار السلبية المترتبة على بقاء الوضع على ما هو عليه من كذب ورياء وسرقة وتضليل…

مطلوب سياسة قوامها الصدق والمعرفة وعزة النفس، وباعتقادي أنّ الدولة والقوانين هما أهم من هؤلاء السياسيين، وإصلاح الحياة السياسية يتطلب الارتكاز على مبادئ العلم السياسي لننتقل إلى بيئة اقتصادية سليمة.

ممّا لا شكَّ فيه أنّ سمعة السياسيين هي على المحك، والأداء السياسي يتطّلب ما يمكن توصيفه بالتحوّل في المنظومة السياسية والفلسفات التي تحكم الفكر السياسي اللبناني والممارسات في مجال إدارة العمل السياسي بشكل عام. والإدارة السياسية في لبنان بحاجة ماسّة إلى تغيير جذري في الأداء والذهنية والعلم، حيث تتضح الأهمية القصوى للعنصر السياسي السليم باعتباره في ظل المتغيرات الإقليمية ـ الدولية وحدة المنافسة بين المكوّنات السياسية في العالم… فالسياسي اللبناني كائن خمول كذّاب بائع بلا ضمير مرهون للغير متعجرف صاحب مصالح خاصة، وهذا أمر أرهق الدولة واقتصادها…

إنّ المشكلة الأساسية التي تعترض مسيرة البناء السياسي والتطوير الاقتصادي والاجتماعي هي انخفاض كفاءة الأداء السياسي، وانخفاض الإنتاجية في التشريع، وكلها أمور تنعكس سلبًا على الواقع الوطني العام، وهنا تكمن المشكلة الجوهرية.

إنّ إحداث التطور السياسي وتطويع الأساليب السياسية الحديثة لتلاحق التطورات السياسية ـ الاقتصادية ـ الاجتماعية ـ الأمنية أصبح أمرًا مُلحًا، إن لم يكن من أقصى وأشّد الضرورات لمؤسساتنا الحكومية المترهّلة جرّاء تلك السياسات المنتهجة، وهذا الأمر يتطّلب منّا وضع خطة وطنية شاملة لبناء جهاز سياسي عملاق قادر على امتصاص مختلف التغييرات في المنطقة، ويكون مستجيبًا لِما تقتضيه عوامل التبدل والتطور وحسن الإدارة لكي يحقق هذا الجهاز الأهداف الأساسية التي أنشئ من أجلها، وإلاّ فإن كل الاجتماعات والبيانات التي تصدر ستبقى حبرًا على ورق، وبالتالي على السياسيين عدم تقاذف الاتهامات كما هو حاصل اليوم، والأمثلة كثيرة ونخجل من تعدادها، وسأكتفي بأن نسمع وزيرًا عونيًا يُعيب على زميله القوّاتي فشل مشروع معيّن. وقد صدق أحد رجال الدين عندما قال لي في مجلسه الخاص: "هودي من وقت ما إجوا على السلطة خربوا الموارنة والمسيحين والوطن. الله ينجيّنا منهم، والأنكى وبعد كل الويلات هناك من يناديهم بالأقطاب".

في العلم المالي تعلمنا منظومة ترشيد الإنفاق، وهي التقليل من حجم الإنفاق مع المحافظة على سوية الإنتاج وحجم الإيرادات، وذلك يتم بتقليل حجم الإنفاق أو ما يُعرف بالتقشف، والغاية منه تقليل حجم النفقات لرفع الأرباح والتقليل من حجم المدفوعات، وهذا أمر لم نلمسه إطلاقًا من رجال السياسة عندنا…

في لبنان يكثر الحديث عن ترشيد الإنفاق، ووفق أحد الخبراء هناك "فرق كبير بين مفهومي ترشيد الإنفاق وتخفيض النفقات، فالترشيد يقوم بالأساس على اتخاذ القرار الصائب في الإنفاق، ما قد يعني تخفيض النفقات في مجالات معينة وزيادته في مجالات أخرى؛ والغاية في النهاية ضبط النفقات بما يحقق الهدف العام من صرفها. وعند الحديث عن النفقات العامة فإنّ تقديري دومًا أنّ المطلوب هو ترشيد النفقات، يعني بالضرورة اتخاذ القرار الرشيد الصائب والشفاف في أوجه الإنفاق المختلفة. واتخاذ قرار بخفض النفقات لا بد أن يكون مبنياً على دراسة للهدف النهائي والمحصلة المتأتية من القرار".

كفى مزايدات على بعضكم البعض، فأنت طبقة سياسية فاشلة، وما ينتظره المواطن اللبناني ليس التشخيص لأن الكل بات يتقاسمه، وإنما الحلول للأوضاع السياسية ـ الإقتصادية ـ الإجتماعية تزداد سوءًا يومًا بعد يوم أمام عجز طبقة سياسية فاشلة معظمها ينخره الفساد وتحركها المصالح الضيقة، سواء أكانت شخصية أو حزبية أو عائلية…

الفشل تحدث عنه المجتمع الدولي في تقارير اطلعنا عليها وسبق أن شخّصناه في عدة تقارير. والأمر لا يتعلق فقط بالجانب التنموي، فهذه فقط إحدى أبرز مظاهره، إنها بمثابة الجزء الظاهر من جبل الكذب، لأنّ هناك أكثر من فشل على المستوى السياسي والتعليمي والاجتماعي…

الحاجة اليوم، برأيي، أصبحت ملحّة، ليس فقط إلى تصحيح اختلالات قائمة أو محاربة الفساد، الكل يعرف مكامنه أو إعادة النظر في نموذج تنموي أثبت فشله الذريع، وإنما إلى إعادة التفكير أيضًا في أسلوب الحكم وقاعدة توزيع السلطة وطريقة تدبير الشأن العام وفق سياسة تقوم على مبادئ العلم السياسي، ومن ثم ننطلق إلى عملية بحثية عن اقتصاد سليم… وإلاّ على الدنيا السلام!

(*) كاتب وباحث سياسي 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.