بعد 25 عاماً: سقوط نظرية "صدام الحضارات"! 

"ميدل إيست آي":
بيتر أوبرون

قبل ما يقرب من خمسة وعشرين عاماً نشرت مجلة فورين أفيرز بحثاً كان بلا منازع الأكبر تأثيراً من الناحية الأكاديمية في العصر الحديث، كان ذلك مقال صاموئيل هانتنغتون بعنوان: "صدام الحضارات"، وهو المقال الذي ساعد في إعادة تشكيل العالم وفي اندلاع الحروب.

ولكن كيف يُقرأ كلامه بعد خمسة وعشرين عاماً؟ في نهاية المطاف، ثبت أنه لا قيمة له – بل فظاعة أخلاقية ونكبة فكرية.

إليكم تذكير بما عبر عنه هانتنغتون حينها بكل ثقة:

"إني أرى بأن المصدر الأساسي للصراع في العالم الجديد سيكون بالدرجة الأولى عقائدياً أو بالدرجة الأولى اقتصادياً. وستكون التباينات الكبرى بين البشر والمصدر المهيمن للصراع ثقافية. وستظل الدول القومية أقوى اللاعبين في الشؤون العالمية، إلا أن الصراعات الرئيسية في السياسة العالمية ستحدث بين الأمم والجماعات التي تنتسب إلى حضارات مختلفة. سوف يسود صدام الحضارات السياسة العالمية، وستكون خطوط التصدع بين الحضارات هي خطوط المعارك في المستقبل."

الإسلام والغرب
كان الجزء الأكثر نفوذاً في نظرية هانتنغتون هو ذلك المتعلق بالإسلام. فقد قال هانتنغتون بأنه مع نهاية الحرب الباردة بين روسيا السوفياتية والغرب، سيحل محل ذلك نضال جديد تدور رحاه بين عدوين لا يمكن التوفيق بينهما: الإسلام والغرب.

وأكد هانتنغتون أن الهوية، بدلاً من العقيدة، هي جوهر السياسة المعاصرة، متسائلاً: "ما أنت؟" ومضى يقول: "نحن نعرف أنه، من البوسنة مروراً بالقوقاز حتى السودان، يمكن للإجابة الخاطئة على ذلك السؤال أن يكون ثمنها استقرار رصاصة في الرأس." وأضاف: "إن للإسلام حدوداً دموية."

وكان هانتنغتون قد أسس نظريته بناء على ما نشره المؤرخ المستشرق الشهير بيرنارد لويس، والذي كان أول من صاغ مصطلح "صدام الحضارات" عندما كتب في عام 1990 يقول:

"إننا نواجه نمطاً وحراكاً يتجاوز إلى حد بعيد مستوى القضايا والسياسات والحكومات التي تنتهجها. لا أقل من أن يوصف ذلك بأنه صدام الحضارات – ولعله رد الفعل التاريخي غير العقلاني، ولكن المؤكد، الذي يصدر عن خصم عتيق ضد تراثنا اليهودي المسيحي، على حاضرنا العلماني، وعلى التمدد العالمي لكل منهما."

مثله في ذلك مثل هانتنغتون، كان لويس منحازاً ومتعصباً. حينما كتب بعيد اندلاع الثورة الإيرانية وتفجر السخط في شوارع طهران (والذي لم يكن بأي حال غير مبرر إذا ما أخذنا بالاعتبار الدعم الأميركي المستمر لنظام الشاه القمعي والدموي)، كانت مقاربة لويس الاختزالية مخزية. فقد كتب كما لو أن مليار ونصف المليار مسلم كلهم كانوا يفكرون بنفس الطريقة وكأنهم لم يكن يشغلهم سوى العداوة تجاه الغرب.

دول الحادي عشر من سبتمبر
هل تحققت نبوءات كل من هانتنغتون ولويس؟ هل بات المسلمون منهمكين في حرب جماعية مع الغرب بالشكل الذي تنبأ به هذين الحكيمين الأميركيين؟ هل يوجد فعلاً صدام حضارات، كما كان يعتقد هانتنغتون وكما يعتقد كثيرون غيره؟

من المؤكد أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، عندما شنت القاعدة هجوماً ضارياً على الولايات المتحدة، أضفت مصداقية هائلة على تحليل هانتنغتون الكئيب. وبدا كما لو أن موجهة الهجمات الغربية على البلاد الإسلامية خلال السنوات التي تلت عززت نظريته بالإضافة إلى الهجمات الإرهابية المدمرة التي شنت في لندن وباريس وفي غيرهما من المدن الغربية.

يتحدث السياسيون البارزون اليوم بلغة صدام الحضارات، من رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنجامين نتنياهو إلى رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي. كما أدت نظرية هانتنغتون إلى ازدهار كبير في قطاع النشر، حيث صدر ما لا يحصى عدده من الكتب التي تنادي بالتعبئة وإعداد العدة للحرب المفترضة ضد "الإسلاموية".

في كتاب له بعنوان "سيلسياس 7/7" يقول الوزير في الحكومة البريطانية مايكل غوف: "ما الحرب التي انخرط في صفوفها المتطرفون إلا صراع أزماننا، إنها الصراع بين القيم الليبرالية والشمولية المنبعثة من جديد." وأما الكتاب الذي ألفه دوغلاس ماري بعنوان "الموت الغريب لأوروبا: الهجرة، الهوية والإسلام"، والذي يصور فيه أوروبا المسيحية كما لو كانت تغرق في خضم الأمواج المتلاطمة للمهاجرين المسلمين، فبات من أكثر الكتب مبيعاً.

ولكن، لئن بدا في الظاهر أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر حققت نبوءة هانتنغتون، إلا أنها في واقع الأمر لم تفعل ذلك. فالصدام الحقيقي هو ذلك الذي بين الولايات المتحدة والقاعدة أو بينها الولايات المتحدة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وليس بين الولايات المتحدة والإسلام.

داعش والقاعدة في الهوامش
لم نشهد ولا حتى واحدة من البلدان الخمسين التي تعيش فيها أغلبية مسلمة تعلن الحرب على الولايات المتحدة، ولا شهدنا تشكل تحالف إسلامي. بل عندما تشكل مثل هذا التحالف في عام 2017 كان بقيادة المملكة العربية السعودية ومباركة الولايات المتحدة.

وبغض النظر عن مدى عنف واتساع رقعة ظاهرة الإرهاب اليوم، ووجود نشاط لداعش والقاعدة في العديد من البلدان، تظل هذه المجموعات على هامش الإسلام. أما القوى الإسلامية الكبرى فتنهج الواقعية في إدارتها لعلاقاتها الدولية، هذا بينما أكبر تجمع إسلامي عالمي، منظمة التعاون الإسلامي، لا يعدو كونه منتدى للخطابة الفارغة.

تتأرج تركيا بين روسيا والولايات المتحدة، وقواتها المسلحة هي ثاني أكبر قوات داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو). وأما إيران، وعلى الرغم مما يشوب خطابها من عبارات إسلامية، إلا أن سياستها قومية. وعلى الرغم من أن صدامها مع الولايات المتحدة آخذ في التصاعد إلا أن أهم معارك إيران اليوم ذات طبيعة جيوسياسية (أي موجهة ضد المملكة العربية السعودية)، هذا في الوقت الذي تهرول أوروبا (أي النصف الآخر من الغرب) باتجاه تحسين علاقاتها مع طهران.

ويبقى النظام السعودي هو أكثر حلفاء أميركا ولاء لها في المنطقة مع أنه يتبنى تفسيراً حرفياً للإسلام – من خلال الوهابية – وخصومه الرئيسيون هم قوى إسلامية أخرى مثل تركيا وإيران وقطر.

سياسة الدين
كثير من المحللين في العالم العربي، ممن يشهد لهم بالمصداقية، يحملون الولايات المتحدة المسؤولية عن إيجاد الظروف التي سمحت للمجموعات الإرهابية مثل داعش بأن توجد في المقام الأول، وذلك حينما غزا الأميركيون العراق واحتلوه وقضوا على كافة مؤسسات الدولة فيه.

وفوق ذلك كله، كان هانتنغتون مخطئاً حينما زعم أن الدين هو العامل الحاسم في الحروب. ما من شك في أن الدين يستخدم كأداة، ولكنه بحد ذاته ليس المستهدف. ولكن تنبع أهمية ما قاله هانتنغتون من أن نظريته، التي ترى بأن العالم المتحضر يحارب "الإسلام الراديكالي"، وفرت للمجمع الصناعي العسكري الغربي عدواً كونياً ونظامياً ومتعدد الأعراق ليحل محل الشيوعية.

لقد انهارت نظرية هانتنغتون في سوريا، حيث فندت شبكة التحالفات التي برزت أثناء ما يزيد عن سبعة أعوام من الصراع نموذجه الحضاري، وأكدت أن المصالح الجيوسياسية والاقتصادية تأتي في المقدمة وليس الاعتبارات الثقافية.

في سوريا، شكل الغرب (الولايات المتحدة وأوروبا) تحالفاً مع القوى الإسلامية ضد الحكومة السورية، وهي نظام علماني. حيث قدمت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا الأسلحة بشكل مباشر للمجموعات التي يمكن اعتبارها إسلامية، وغضت الطرف عن حلفائها وهم يسلحون المجموعات الراديكالية، بما في ذلك داعش والقاعدة.

وصف هذا الوضع نائب الرئيس السابق جو بايدن في خطاب ألقاه في جامعة هارفارد عام 2014، حيث قال: "لقد شكل حلفاؤنا في المنطقة أكبر مشكلة تواجهنا في سوريا. فماذا كانوا يفعلون؟ كانوا قد حزموا أمرهم وعزموا على إسقاط {الرئيس السوري بشار} الأسد، فأشعلوا حرباً سنية شيعية بالوكالة. ماذا فعلوا؟ لقد أغدقوا مئات الملايين من الدولارات وسلموا أطناناً من الأسلحة لأي شخص لديه الاستعداد للقتال ضد الأسد – وكانوا بذلك يزودون بالسلاح النصرة والقاعدة والعناصر الجهادية المتطرفة القادمة من أماكن أخرى من العالم."

جهود الدعاية
في تلك الأثناء، لم يعد سراً أن إسرائيل تدعم المتمردين السوريين على امتداد خط فك الارتباط في مرتفعات الجولان، علماً بأن نسبة كبيرة من هؤلاء المتمردين هم من الإسلاميين – بما في ذلك المجموعة التي كانت تعرف سابقاً باسم جبهة النصرة، والتي هي فرع القاعدة في سوريا.

وفي سوريا أيضاً، تتعاون الولايات المتحدة بحماسة بالغة مع مجموعة مسلمة كبيرة أخرى، وإن كانت علمانية، ألا وهم الكرد. كما تنسق الولايات المتحدة سياستها داخل سوريا مع المملكة العربية السعودية والأردن ومصر، وكانت تفعل نفس الشيء مع تركيا إلى أن دب الخلاف بين الطرفين بشأن الكرد.

ولذلك، لا يمكن اعتبار الصراع في سوريا صداماً بين الحضارات، رغم كل الحماسة الدينية الرسالية التي تدعيها بعض الجماعات هناك ومنها داعش. بل يكاد المسلمون السنة يكونون الهدف الرئيسي للعنف الذي تمارسه داعش، والتي تعتبر معظم المسلمين السنة مرتدين لأنهم لم ينخرطوا في صفوف الخلافة التي ولدت بزعمهم من جديد.

وعلى الرغم من كل ما تبذله من جهود في الدعاية والترويج، تبقى داعش مجموعة هامشية، مع أنها جذبت إليها الآلاف من الشباب الذين يعانون من الحرمان والتهميش. ينبغي علينا ألا ننسى وجود ما يزيد عن مليار ونصف المليار مسلم في العالم اليوم، ومعظم هؤلاء يعيشون حياة اعتيادية.

قد يجادل أنصار هانتنغتون قائلين بأن حرب سوريا عبارة عن حرب تدور رحاها داخل المكون الحضاري الواحد، أي داخل الحضارة الإسلامية. إلا أن مثل هذا التحليل يجانب الصواب في أحسن أحواله. صحيح أن العالم الإسلامي لم يلبث يناضل في سبيل إعادة تعريف نفسه منذ الإنهاء الرسمي للخلافة في عام 1924، إلا أن النضال في سوريا يغلب عليه أنه صدام مصالح، حتى لو بدا للبعض غير ذلك.

تنافس من أجل الهيمنة
تدعم إيران المليشيات الشيعية في سوريا وفي اليمن – ولكنها أيضاً تدعم حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة، وكلاهما من السنة. ورغم أن إيران قوة شيعية، إلا أننا نرى أن بعض كبار الزعماء الشيعة في العراق، مثل مقتدى الصدر، يعملون بشكل حثيث مع السعوديين للحد من نفوذ الإيرانيين داخل البلاد.

لا تجد المملكة العربية السعودية غضاضة في استقبال أولئك الزعماء العراقيين الشيعة ولا في دعم الحزب المسيحي اليميني، القوات اللبنانية، الذي ارتكب مذابح بحق الآلاف من المسلمين في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين في سنوات الحرب المدنية اللبنانية – لمجرد أن هذا الحزب انحاز إلى جانب السياسة السعودية داخل لبنان.

ليس الصدام السعودي الإيراني حرباً داخل المكون الحضاري الواحد، وإنما تنافس جيوسياسي من أجل فرض الهيمنة في المنطقة. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن السياسات التركية، وذلك بالرغم من الخطاب الناري الذي يلجأ إليه الرئيس رجب طيب أردوغان. وها هي تركيا اليوم في حالة شقاق ونزاع مع القوى السنية الرئيسية في المنطقة، المملكة العربية السعودية ومصر، وفي حالة من التقارب والتفاهم مع إيران تتزايد يوماً بعد يوم.

تركيا جزء لا يتجزء من الناتو ولم تتخل حتى الآن عن تطلعها إلى أن تصبح جزءاً من الغرب. ولذلك تبدو التحالفات المذكورة آنفاً مفارقة للواقع من وجهة نظر النموذج الحضاري الوارد في نظرية هانتنغتون بينما تبدو منطقية تماماً إذا ما نظر إليها من وجهة نظر توازن القوة في الواقعية السياسية.

بعد خمسة وعشرين عاماً، ما تزال القدرة التفسيرية لنظرية هانتنغتون موضع شك. ورغم أن نبوءته صدقتها إلى حد ما أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إلا أن بإمكان كل مراقب جاد لأحوال العلاقات الدولية أن يدحضها بسهولة.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.