ما هي مصلحة مصر من التوسط بين إسرائيل و"حماس"؟

كتب السفير الإسرائيلي السابق في مصر حاييم كورن مقالاً في صحيفة "Ynet" الإسرائيلية، تناول فيه تطور العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية ودور مصر الإقليمي وجهود الوساطة التي تبذلها من أجل التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل وحركة "حماس".

وجاء في المقال:

أثبتت جولة العنف الأخيرة في غزة مرة أُخرى تدخُّل مصر العميق في محاولات التوسط، والتسوية، والدفع قدماً بخطوات بين إسرائيل والفلسطينيين في قطاع غزة وفي الضفة الغربية. ولا تشكل التحركات المصرية جزءاً من الحاجة إلى تلبية حاجات ضرورية للطرفين فقط، بل هي أيضاً مدماك مهم في سياسة ناشطة لدولة تعتبر نفسها عنصر تجسير ووسيطاً ضرورياً من أجل الدفع قدماً بالاستقرار الإقليمي.

"الاضطرابات العربية" لم تنتهِ بعد. وكل دولة من الدول التي بدأت فيها عمليات تغيير تواجه على طريقتها، وبوسائلها، وبحسب طريقة تحديد وضعها اليوم في مواجهة الواقع الإقليمي والدولي الآخذ في التشكل. بعد مرحلة محمد مرسي، حددت مصر برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي من جديد أهدافها وتوجهات عملها. وحددت العقيدة الأمنية المصرية لنفسها بصورة واضحة هدفين مركزيين: العمل على استعادة الأمن (الداخلي والإقليمي) واستقرار الاقتصاد المصري.

في كل ما يتعلق بالأمن، ومنذ اللحظة التي اعتبرت فيها مصر الإرهاب (الداخلي والعالمي) عدواً مركزياً، بدأت باتخاذ إجراءات قاسية ضد ناشطي حركة "الإخوان المسلمين" وصنفت حركتهم كتنظيم إرهابي. أيضاً النظرة إلى تنظيم داعش و"حماس" استُمدت من وجهة النظر المصرية التي تقول إنهما ساعدا الهجمات الإرهابية ضد جنود ورجال شرطة ورموز تابعة للنظام المصري – ليس فقط في قطاع غزة، بل وأيضاً في شبه جزيرة سيناء، وأحياناً داخل الأراضي المصرية نفسها. بالإضافة إلى ذلك، اتهمت السلطات المصرية مراراً "حماس" بالتعاون مع الإخوان المسلمين، ومع داعش أحياناً، بتنفيذ عمليات إرهابية.

أيضاً سياسة إيران في الشرق الأوسط يُنظر إليها باعتبارها تهديداً لمصر (وللسعودية، والأردن، وإسرائيل واتحاد الإمارات، باستثناء قطر). وتُعتبر تركيا وقطر خصمين عنيدين لمصر بسبب تأييدهما الإخوان المسلمين و"حماس"، وكونهما عضوين في محور شرق أوسطي مواجه لمصر. لقد نشأ واقع لم نعرفه في الماضي تبدو، في إطاره، المصالح المصرية والإسرائيلية مرتبطة في مواجهة تحديات متشابهة، وتنضم إليهما دول عربية أُخرى من المحور السني.

تستند السياسة المصرية الثابتة التي تسعى لحل المشكلة الفلسطينية اليوم أيضاً إلى قدرتها على التدخل في ما يحدث في قطاع غزة. فتحاول مصر قيادة عمليات مصالحة داخل المعسكر الفلسطيني (بين السلطة و"حماس")، وتحاول أيضاً أن تؤدي دور الوسيط بين الفلسطينيين وإسرائيل. لقاء رئيسي مصر وإسرائيل في الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر لم يكن الأول بين السيسي ونتنياهو في السنة الأخيرة. وعكس وجود علاقات بين الدولتين تميزت خلال السنوات الأربع الأخيرة بنشاطات روتينية في مجالات عمل متعددة.

الهدف الثاني الذي وضعته الزعامة المصرية لنفسها هو استقرار الاقتصاد. ومن المفترض أن يحول الإحساس بالأمن والاقتصاد المستقر مصر إلى طرف إقليمي يشجع على الاستقرار. والمصلحة المصرية المتزايدة في التعاون مع إسرائيل في مجالي الاقتصاد والتجارة ناجمة عن هذا الهدف. وبسبب موقع مصر الاستراتيجي، وأهميتها كمعبر بحري من المحيط الهندي عبر مضائق باب المندب إلى قناة السويس وإلى البحر المتوسط، فإن استقرارها لا يهم فقط  دول المنطقة، بل أيضاً الولايات المتحدة، والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وروسيا، والهند، والصين، ودول الشرق الأقصى. من هنا تنبع أيضاً المصلحة الدولية في تبني التعاون المصري – الإسرائيلي واعتباره حجر الزاوية في الدفع قدماً بالاستقرار الإقليمي.

يمكن أن يُستخدم التعاون السياسي – الأمني بين إسرائيل ومصر لتسريع الدفع قدماً بعلاقات اقتصادية أفضل من أجل رفاه الدولتين، لكن ما تزال توجد فجوة بين حجم التعاون الاستراتيجي وحجمه المدني. يواصل السياح الإسرائيليون زيارة مصر وشبه جزيرة سيناء، لكن بأعداد ليست كبيرة. وتوجد تجارة مشتركة بين أطراف من الدولتين، لكن بحجم ضئيل، وعلى المستوى الزراعي أيضاً يوجد احتمال تعاون أكبر كثيراً من الموجود حالياً (على الأقل بحسب ما كان موجوداً في التسعينيات). هناك إمكانية أيضاً أن تستخدم مصر بشكل أوسع تكنولوجيا الطاقة الشمسية وتحلية المياه التي لإسرائيل شهرة كبيرة فيها وتُعتبر من الدول الرائدة في مجالي الإنتاج والتنفيذ.

يؤدي مجال الطاقة، وخصوصاً استخراج الغاز الطبيعي وتسويقه، دوراً مركزياً في التعاون الاقتصادي – التجاري بين إسرائيل ومصر. وتستطيع الدولتان التعاون أيضاً في مجالات التجارة التقليدية، وفي مناطق الصناعات الخاصة (الـ QIZ، التي تعتمد على اتفاق ثلاثي يسمح بتصدير سلع مصرية إلى الولايات المتحدة ضمن شروط التجارة الحرة، شرط أن تشتمل على نسبة معينة من المكونات الإسرائيلية)، وفي الزراعة، والسياحة وفروع أُخرى من الاقتصاد والتجارة. وفي استطاعة مثل هذا التعاون تعزيز اقتصاد الدولتين واقتصاد المنطقة.

إن إعلان شركة "ديليك كيدوحيم" في البورصة، في أواخر أيلول/سبتمبر، أنها ستشتري بالتعاون مع شركة "نوبل إينرجي"، و"إيست غاز" شركة EMG المصرية، هو خطوة في هذا الاتجاه. أنبوب الغاز الطبيعي الذي تملكه شركة EMG يربط بين عسقلان والمنشأة المصرية في العريش، ويُستخدم لنقل الغاز الطبيعي من حقول "تمار" و"لفيثان" إلى مصر. وهذا هو معلم في طريق تحول مصر إلى مركز للطاقة الإقليمية، وكمستهلكة مركزية، وكمصدّرة، على أساس منشآت تسييل الغاز الموجودة لديها.

بحسب كلام وزير الطاقة يوفال شتاينتس، فإن ترميم أنبوب الغاز الطبيعي الإسرائيلي – المصري بالإضافة إلى إقامة انبوب يصل إلى الأردن، سيربطان دول محور السلام ببنية تحتية غازية مشتركة. وهذه أول مرة في التاريخ يجري فيها تنفيذ بنية تحتية ذات أهمية جيو سياسية تربط بين إسرائيل وجيرانها. هذه الصفقة ستحول مصر إلى مركز إقليمي للطاقة وتضعها في صف واحد مع مراكز الطاقة المهمة في العالم.

التغير الإيجابي في العلاقات المصرية – الإسرائيلية في السنوات الأخيرة، والتنسيق الإقليمي الآخذ في التبلور في الشرق الأوسط، واحتمالات أن تحاول مصر الدفع قدماً بعملية إسرائيلية – فلسطينية، والخطوات المدروسة التي قامت بها مصر لإعادة الحرارة إلى السلام "البارد"، يمكن أن تدل على وجود فرصة من أجل القيام بتحسين إضافي للعلاقات الشديدة الأهمية بين حليفتين استراتيجيتين – إسرائيل ومصر.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.