تهديد استقرار لبنان: ابتزاز أميركي مزدوج

 فراس الشوفي

طوال السنوات الماضية، على الأقل منذ 2005 حتى اليوم، سوّق الأميركيون وحلفاؤهم في لبنان لأسطورة حاجة الأميركيين إلى الاستقرار في الساحة اللبنانية. وعلى الرغم من الدعم المادي والمعنوي والأمني الذي قدّمه الأميركيون لفريق 14 آذار وشركائه الإقليميين، بهدف قلب المعادلة الداخلية وإضعاف المقاومة وحلفائها وما تبعها من فشل في أكثر من محطة، استمرت الأسطورة الأميركية بالتمدّد، وزادت عمقاً مع استعار الحرب على سوريا.

قبل أعوام، وقف دانيال غلايزر، معاون وزير الخزانة الأميركية لشؤون تمويل الإرهاب أمام الكونغرس، معلناً أن أي عقوبات على حزب الله أو على لبنان يجب أن تراعي القطاع المصرفي اللبناني، باعتباره «ضرورة للأمن القومي الأميركي». غير أن ما بعد وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة، وما تبعه من تحوّلات في بنية الإدارة الأميركية، فتحا الباب أمام مواقف أميركية جديدة حيال لبنان، لا سيّما الربط بين استقرار لبنان الدولة والمؤسسات، وبين مصلحة حزب الله. وما لم يعد سرّاً، هو المواقف التي نقلتها السفيرة الأميركية في بيروت إليزابيث ريتشارد للرئيس ميشال عون والرئيس سعد الحريري وآخرين، عن خروج أصوات داخل البيت الأبيض تنادي بهزّ الاستقرار اللبناني، لا سيّما القطاع المصرفي، لرفع الضغط على حزب الله وتأليب اللبنانيين عليه. وبحسب مصدر لبناني مطّلع على النقاشات داخل الإدارة الاميركية، وتحديداً حول الأوضاع المالية في لبنان، فإن تلك الأصوات الجديدة لم تعد تعتبر الحفاظ على القطاع المصرفي أمراً مهمّاً لـ«الأمن القومي الاميركي»، بل على العكس، فإن استقرار القطاع المصرفي بات بالنسبة إليها «منفعة لحزب الله». غير أن هذه المواقف لا تعني وجود قرار أميركي بهز الاستقرار المالي، ولو أن فريق ترامب في الإدارة يعبّر علناً عن نيته استعمال كافة الوسائل للضغط على المقاومة اللبنانية وإيران وسوريا والمقاومة الفلسطينية، في إطار إخضاع هذه القوى للتسليم بانتفاء منطق مواجهة إسرائيل والانتظام في مزاج الاستسلام العربي. وفيما بدا القانون الذي وقّعه ترامب في مناسبة ذكرى تفجير المارينز في بيروت نهاية الشهر الماضي، ضد حزب الله، مشابهاً لسابقه، إلّا أن القانون أتى ليشدّد على تطبيق ما سبقه من إجراءات، وليطال «الكيانات» المرتبطة بالحزب أو تلك التي لديها صلة به أو تدعمه، بالإضافة إلى تأكيد القانون ضرورة تقديم تقرير مفصّل كل 180 يوماً عمّا تم التوصل إليه من عقوبات.

«الجنون» الأميركي تجاه لبنان لا يوازيه سوى الاندفاعة البريطانية لملاقاته، مع المعلومات عن نقاش داخل الإدارة البريطانية حيال نية الحكومة وضع حزب الله بشقه السياسي هذه المرّة على لوائح الإرهاب، بعد أن قامت بريطانيا بوضع ما سمّته «الجناح العسكري» على لوائح الإرهاب، في خطوة يصفها مصدر أمني أوروبي لـ«الأخبار» بـ«المتهوّرة».
غير أن اهتزاز الاستقرار في لبنان، وإن كان ورقة يحاول الأميركيون استخدامها في إطار الضغط على إيران ومحور المقاومة، فإن الخشية الأوروبية، وتحديداً الألمانية والفرنسية، تتعدّى القلق على لبنان إلى الخوف من تدفّق موجات من النازحين مجدداً، لا تنحصر بالسوريين في لبنان، بل بنازحين لبنانيين وفلسطينيين. ويقول المصدر الأوروبي إن «ما يراه الأوروبيون خطراً، ليس بالضرورة أن يراه الأميركيون كذلك، وربّما، بورقة الضغط هذه، يسعون إلى عرقلة التحوّلات التي قد تطرأ على المشهد الأوروبي مستقبلاً، وتحديداً التقارب الفرنسي ـــ الألماني ـــ الروسي، الذي عبّر الأميركيون علناً عن رفضهم له أمام قادة الدول الأوروبية، وعبْر الضغوط لعرقلة تنفيذ خط نقل الغاز نورد ستريم 2».
وبالتوازي مع كلام المصدر الأوروبي، نقلت مصادر روسية مشاركة في اللقاء الذي أقامه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو مع رجال الدبلوماسية الروسية في العالم قبل نحو شهرين، لـ«الأخبار»، ما قاله بوتين للجسم الدبلوماسي، عن كيفية استغلال الأميركيين لأزمة اللجوء في أوروبا بهدف تطويع الدول الأوروبية الراغبة في الخروج من الهيمنة الأميركية. وقالت المصادر إن «الرئيس بوتين أكد أمام الحاضرين في اللقاء الدبلوماسي أن الأميركيين يسعّرون موجات العنصرية الأوروبية والحركات اليمينية عبر التحريض على اللاجئين لاستخدامها في مواجهة روسيا في كامل القارة الأوروبية».
التهديد بهزّ الاستقرار اللبناني ابتزاز مزدوج إذاً، للمقاومة وحلفائها في الإقليم من جهة عبر التهويل بالفوضى المطلقة في البلاد، ولأوروبا عبر ورقة النزوح من لبنان، وهي الغارقة في تجاذبات أزمات اللجوء وصعود اليمين، مع الحاجات الاقتصادية المتزايدة لتحالف اقتصادي جدي مع روسيا في مواجهة جشع أميركي في سلب المزيد من الأموال الأوروبية، على غرار ما يحصل في الخليج.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.