روسيا "تكبّل" إسرائيل في لبنان وسوريا

رأت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يغلق أمام إسرائيل نافذة الفرص العملانية في لبنان وسوريا، بعد وصول بطاريات صواريخ "إس 300" إلى سوريا. وقال الصحيفة إن الروس يوضحون لإسرائيل، بعدة طرق، أنه بالنسبة إليهم "ما كان قائماً لم يعد موجوداً".

وجاء في تقرير المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس":

وراء الحذر الاستثنائي الذي تظهره إسرائيل في المواجهة مع "حماس" في الجنوب هناك أيضاً القلق المتزايد تجاه الجبهة الشمالية. ومع أن الأمور يمكن أن تبدو كعذر مهلهل، لكن يبدو أنها تتطابق جيداً مع صورة الاعتبارات التي يستخدمها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الذي يختار المرة تلو الأُخرى العودة إلى درب جهود التسوية في قطاع غزة.

المشكلة التي تواجهها إسرائيل في الشمال تتعلق، باختصار، بالخطر الحقيقي الناجم عن انغلاق نافذة الفرص العملانية. في السنوات الأخيرة تركزت نشاطات الجيش الإسرائيلي في ما وراء الحدود فيما يسميه الجيش معركة بين الحروب. لقد استغلت إسرائيل الاضطرابات الكبيرة في العالم العربي لتوسيع نشاطها الهجومي، السري في أغلبيته. نشط الجيش الإسرائيلي والأذرع الاستخباراتية، بواسطة مئات الهجمات من الجو والعمليات الخاصة لإبعاد خطر الحرب المقبلة وتقليص القدرة العملانية للعدو إذا وعندما تنشب الحرب على الرغم من كل ذلك.

في سوريا ولبنان تركزت المعركة في البداية على إحباط تهريب السلاح المتطور من إيران إلى حزب الله. وفي السنوات الأخيرة أُضيف إلى ذلك مهمة جديدة- منع التمركز العسكري لإيران في أنحاء سوريا، وكانت ذروته في المعركة الثنائية التي دارت بين الجيش الإسرائيلي والحرس الثوي الإيراني، ومجموعة الهجمات والحوادث التي وقعت في أشهر الشتاء والربيع.

استقرار نظام الأسد يغير، بالتدريج هذا الواقع. وسواء كانت روسيا ما تزال غاضبة فعلاً من حادثة إسقاط طائرة إليوشن (بواسطة منظومة الدفاع الجوي السوري) في ذروة الهجمات الإسرائيلية قبل شهر، أو أنها فقط تستغل الحادثة لتفرض قواعد لعبة استراتيجية جديدة في الشمال، فإن النتيجة واحدة.

إسرائيل لم تتوقف قط عن القيام بهجمات في أراضي سوريا – قبل نحو أسبوعين تحدثت تقارير عن هجومين منذ إسقاط الطائرة – لكن من الواضح أن روسيا تضيّق من خطواتها. وأيضاً الاجتماع الخاطف بين نتنياهو والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والذي جرى تنسيقه في النهاية بعد جهد إسرائيل الكبير على هامش المؤتمر الدولي في باريس في مطلع الأسبوع، لم يحل على ما يبدو الأزمة. وبالأمس قال بوتين إنه ليس من المقرر عقد اجتماع آخر مع رئيس الحكومة في وقت قريب.

يوضح الروس لإسرائيل، بعدة طرق، أنه بالنسبة إليهم ما كان قائماً لم يعد موجوداً. العمليات الشديدة التي يقوم بها سلاح الجو تُعطل مشروعهم المركزي، الذي هو استعادة سيطرة النظام على أغلبية مناطق سورياوتوقيع اتفاقات بعيدة الأمد مع الرئيس بشار الأسد تضمن المحافظة على المصالح الأمنية والاقتصادية لموسكو في سوريا. يتجلى عدم الارتياح هذا في سلوك أكثر عدائية في "الخط الساخن" الذي يربط بين قيادة سلاح الجو الإسرائيلي وبين القاعدة الروسية في حميميم، شمال غرب سوريا، التي تتولى مهمة منع ووقوع حوادث جوية بين الطرفين. كما يبرز من خلال مقاربة مقابلة المواجهة من ناحية مشغلي بطاريات الصواريخ المضادة للطائرات و الطيارين الروس في سورية.

في الخلفية، يمكن أن تتطور مشكلة في لبنان أيضاً. لقد حذر نتنياهو في خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نهاية أيلول/سبتمبر من محاولة إيران وحزب الله إقامة خطوط لإنتاج صواريخ في منطقة بيروت، ويبدو أنه على خلفية الصعوبات في منظومة التهريبات، توصّل فيلق "القدس" في الحرس الثوري الإيراني إلى خلاصة مفادها بأن عليه تقصير المسافة بين المصنع والمستهلك وتركيز عمليات تطوير دقة صواريخ حزب الله في داخل الأراضي اللبنانية. لقد فعل خطاب نتنياهو فعله: في الأيام الثلاثة التي مرت بين كلامه في الأمم المتحدة والجولة التي أعدتها الحكومة اللبنانية لديبلوماسيين في بيروت لدحض هذا الكلام، هناك من عمل كثيراً من أجل إخفاء الأدلة من المنطقة. لكن ثمة شك على المدى البعيد في أن تتنازل إيران عن هذه الخطوة.

المقلق أكثر هو أن بوتين يُظهر في الفترة الأخيرة اهتماماً أكبر بكثير بما يجري في لبنان. والسيناريو الأسوأ هو أن تتوسع، فعلياً ورمزياً مظلة الدفاع التي نشرتها روسيا في شمال غرب سوريابحيث تشمل لبنان أيضاً – الأمر الذي سيزيد تعقيد منظومة الاعتبارات الإسرائيلية.

وأيضاً، على الأقل بحسب تقارير في وسائل الإعلام العربية، لم تقصف إسرائيل في لبنان منذ حادثة جنطا. في شباط/فبراير 2014، وعلى ما يبدو كجزء من مطاردة قافلة سلاح اجتازت الأراضي السورية، جرى الحديث عن هجوم قام به سلاح الجو على قرية جنطا الواقعة على مسافة بضعة أمتار في الجانب اللبناني من الحدود مع سوريا. حزب الله الذي اعتاد تجاهل القصف الإسرائيلي ما دام يقع في الجانب السوري، رد فوراً بواسطة سلسلة هجمات بالعبوات الناسفة على الحدود في الجولان – من خلال تجنيد تنظيمات درزية من سكان الجولان السوري (قائد الشبكة كان المخرب اللبناني سمير القنطار، الذي حل محله من حزب الله جهاد مغنية، وكلاهما قُتلا لاحقاً في هجمات منسوبة إلى إسرائيل). منذ ذلك الحين تركزت الهجمات الإسرائيلية في أراضي سوريا. لكن لعبة الشطرنج مع حزب الله موضوع آخر؛ إن محاولة فهم ما يريده بوتين، في سوريا وربما أيضاً في لبنان، في الوقت الذي يحاول فيه حزب الله تصنيع سلاح هناك، هو فعلاً تحدٍّ من حجم مختلف تماماً.

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.