أوروبا تواجه تحدّي التفكّك!

آنا بالاثيو (*)

يُعَد شهر أغسطس/آب دوما وقتا مناسبا لجرد المخزون. فبين فورة النشاط الصيفي وبداية "العام الدراسي" الجديد، يعرض علينا سكون هذا الشهر لحظة للتأمل في ما آلت إليه الأمور في أوروبا، وإلى أين تتجه. ولا نستثني من هذا الاتحاد الأوروبي ومقره في بروكسل، وخاصة قبل عام من التحولات. ولكن وسط التكهنات بشأن التحديات والتغيرات المقبلة، كان التعيين الجديد الوحيد الذي قد يجلب النجاح أو الفشل للاتحاد الأوروبي على مدار السنوات الخمس المقبلة، وهو منصب رئيس المجلس الأوروبي، موضع تجاهل تام.

الواقع أن اهتمام أوروبا مدرب على التركيز على ثلاث قضايا تشكل تهديدا واضحا وشيكا: خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والهجرة، والنزعة القومية المتصاعدة، التي تعمل في دول مثل بولندا على تغذية المقاومة للاتحاد الأوروبي وسيادة القانون. وسوف تؤثر كيفية التعامل مع هذه القضايا على مستقبل الاتحاد الأوروبي وقدرته على القيام بوظائفه. ويصدق هذا بشكل خاص على قضية الخروج البريطاني، والتي ــ على الرغم من الأجواء الكئيبة التي تخيم على المفاوضات ــ يبدو أنها من المرجح أن تسفر عن محاولة كل من الجانبين شراء الوقت من خلال اتفاق انتقالي من شأنه أن يخلق الحيز اللازم للتوصل إلى ترتيب دائم.

في كل الأحوال، تتطلب معالجة هذه التحديات وغيرها التنفيذ المستدام لسياسات ذكية تطلعية، بواسطة مؤسسات الاتحاد الأوروبي الرئيسية: البرلمان الأوروبي، والمفوضية الأوروبية. ولكن بعد خمس سنوات من الانقسام السياسي غير المسبوق في الاتحاد الأوروبي، تبدو التوقعات في ما يتصل بأداء هذه المؤسسات لوظائفها كئيبة قاتمة.

لنبدأ بالبرلمان الأوروبي، الذي كان في الأيام الأولى من التكامل الأوروبي مهمشا، وعاجزا، وموضع تجاهل. ولكن على مدار السنوات الخمس عشرة الفائتة عمل البرلمان جاهدا للحصول على المزيد من السلطة، فشق طريقه في العملية التشريعية، مؤمنا لنفسه السلطة الإشرافية، بل إنه نجح حتى في إقحام نفسه على عملية اختيار رئيس المفوضية الأوروبية.

لكن الطريقة التي يمارس بها البرلمان الأوروبي سلطاته الجديدة ربما تكون على وشك أن تتغير، في أعقاب الانتخابات التالية على مستوى الاتحاد الأوروبي في يونيو/حزيران 2019. حتى الآن، كانت الأحزاب التقليدية المؤيدة لأوروبا من يمين ويسار الوسط مهيمنة على البرلمان، وكانت الأحزاب الأكثر تطرفا عاجزة دوما عن سحب المؤسسة بعيدا عن مركز ثقلها.

ولكن منذ الانتخابات الأوروبية الأخيرة، خضعت السياسة في القارة لتحول عميق، مع فوز 41 حزبا جديدا بمقاعد في البرلمانات الوطنية منذ عام 2014. ويكاد يكون من المؤكد أن البرلمان الأوروبي سيصبح أكثر تفككا بشكل ملحوظ ــ وهو تطور جسيم العواقب، نظرا للقوة التي اكتسبها البرلمان مؤخرا.

ومن المؤكد أن نفس التشظي والتفكك من شأنه أن يضعف المفوضية الأوروبية، حيث من المقرر أن يجري تعيين المفوضين من أربع دول على الأقل ــ جمهورية التشيك، واليونان، وإيطاليا، وبولندا ــ في غضون عام من قِبَل أحزاب حاكمة متشككة في أوروبا. وقد بدأت بالفعل التكهنات حول من سيخلف رئيس المفوضية الحالي جان كلود يونكر؛ لكن في نهاية المطاف ربما لا تُحدِث الإجابة فارقا كبيرا.

الواقع أن "مفوضية الفرصة الأخيرة" الواهنة بقيادة يونكر، سوف تخلفها "مفوضية الفرصة التالية" ــ وهي التي ربما تكون حتى أشد قصورا. ففي نهاية المطاف، منذ اندلعت الأزمة المالية العالمية في عام 2008، بات من الواضح بشكل صارخ أن قوة الاتحاد الأوروبي الحقيقية لا تكمن في دوائر المفوضية العابرة للحدود الوطنية، بل في أروقة ما بين الحكومات في المجلس الأوروبي. ويتجلى هذا الاتجاه في رغبة الحكومة الألمانية المعلنة لوضع ألماني ــ ربما وزير الاقتصاد بيتر ألتماير أو وزيرة الدفاع أورسولا فون دير لين ــ على رأس المفوضية، من أجل تقريب المؤسسة من برلين.

وعندما يتعلق الأمر بالمجلس، سنجد أن التوقعات قاتمة أيضا. ذلك أن القادة الوطنيين الذين يشرفون عليه يفتقرون إلى الرؤية، أو الالتزام، أو القوة اللازمة لتحديد اتجاه المشروع الأوروبي. وقد أُضعِفَت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي تمثل القوة الأوروبية الرائدة على مدار السنوات العشر المنصرمة. وفَقَد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الزخم. وأصبحت المملكة المتحدة في طريقها إلى الخروج. وتصرح دول مثل إيطاليا وبولندا والمجر علنا بتشككها في أوروبا. وتحكم إسبانيا الآن حكومة أقلية غير منتخبة، وتعاني هولندا من الشلل بفِعل المعارضة اليمينية.

باختصار، لا تبدو أي من مؤسسات الاتحاد الأوروبي في وضع يسمح لها بالاستجابة للتحديات الخطيرة التي يواجهها الاتحاد. ويقودنا هذا إلى واحدة من أحدث الإضافات إلى بنية الاتحاد الأوروبي، والتي خلقتها معاهدة لشبونة: رئيس المجلس الأوروبي.

الواقع أن أهمية رئيس المجلس الأوروبي تكون موضع تجاهل عادة. ولكن كما أظهر أول شاغل للمنصب، هرمان فان رومبوي، عندما شغل المنصب، فإن المجلس قد يكون جزءا لا يتجزأ من التقدم. فأثناء أزمة اليورو نجح فان رومبوي، بالعمل إلى حد كبير من وراء الكواليس، في حشد الدعم للتدابير المطلوبة بشدة بين الدول الأعضاء والمؤسسات الثلاث الأساسية في الاتحاد الأوروبي.

ليس كل شخص يستطيع أن يتحمل ثِقَل المنصب. إذا لابد أن يتمتع رئيس المجلس الأوروبي الفعّال بمزاج يمكنه من الدفع بمجموعة متنوعة من الأشخاص الأقوياء نحو نتائج مفيدة لكل الأطراف، وكل هذا بدون الظهور في دائرة الضوء. ويُعَد خلف رومبوي الأكثر ظهورا، دونالد تاسك، مثالا مضادا جيدا.

يستطيع رئيس المجلس الأوروبي المناسب أن يعمل بمثابة الدفة للمشروع الأوروبي بالكامل. لكن الرئيس غير المناسب سيترك الاتحاد الأوروبي بلا دفة أو اتجاه في لحظة حيث التحرك الموحد مطلوب بشدة. ولابد أن يكون منع هذه النتيجة على رأس أولويات قادة أوروبا.

(*) آنا بالاثيو: وزيرة خارجية إسبانيا السابقة ونائبة أول للرئيس السابق للبنك الدولي، هي عضو في مجلس الدولة الإسباني، وهي محاضرة زائرة في جامعة جورجتاون، وعضو مجلس الأجندة العالمي التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي في الولايات المتحدة.
(Project Syndicate Logo)
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.