"العهد القوي" أمام امتحان مكافحة الفساد

هل من خريطة طريق للإصلاح قبل الحكومة؟

يبدو ان امور الحكم لن تستقيم بالساهل قبل اتضاح تشكيلة الحكومة والقوى السياسية التي ستنضم اليها وتلك التي ستختار المعارضة، اضافة الى تحديد طبيعة الملفات التي ستتم معالجتها لاحقا، سواء في مجلس الوزراء او في مجلس النواب، طالما ان «وحدة حال» ستجمع المجلسين باعتبار ان الحكومة ستضم اغلب الكتل النيابية الكبيرة الممثلة للقوى السياسية الكبيرة، وبهذا تنتفي المراقبة والمحاسبة الحقيقية للحكومة عبر البرلمان ولو تم الفصل بين الوزارة والنيابة، باعتبار ان الوزراء ولو لم يكونوا نوابا سيكونوا ممثلين للقوى السياسية ذاتها وستمر الامور بالتوافق بين الكبار، وبهذا ايضا يفترض بـ«حراس الجمهورية القوية والعهد القوي والتيار القوي» والحلفاء معهم، مقاربة المشكلات العالقة بروحية جديدة ونظرة مغايرة للسابق، والاهم طريقة عمل مختلفة عن السابق، طالما ان الرئيس ميشال عون يعتبر ان حكومة ما بعد الانتخابات ستكون هي حكومة العهد الاولى.
   لم تكن تجربة الانتخابات وفق القانون النسبي الجديد مشجعة ومرضية جدا ولو انها حملت ايجابيات اكثر من السلبيات، ولم يكن أداء معظم وزراء الكتل النيابية في الحكومة السابقة براقا وناجحا، إذ لم يسهم مثلا في معالجة ملفات الكهرباء والنفايات والصحة وضمان الشيخوخة والنقل والسكن والايجارات وفوضى السير، وتحقيق استقلالية القضاء، ووقف المحسوبيات في الدولة، وهيمنة شركة «سوليدير» على مدينة بيروت، إذ باتت العاصمة ملكا لها فعلا، عدا عن سوء معالجة الوضع المالي والاداري و«تركيب الطرابيش» الذي يحصل في المالية العامة وفي مقاربة الدين العام وتنفيذ سلسلة الرتب والرواتب عبر وزارة المالية ومصرف لبنان.
لن ينجح العهد الجديد «القوي» في مسيرته إن لم يفرض على الطقم السياسي- وكتلته النيابية الداعمة له من ضمنه- نمطا اخر من التعاطي مع مشكلات البلد واوضاع الناس، ولو ان شعار مكافحة الفساد هو الذي اصبح يحكم شعارات وخطابات هذا الطقم السياسي، لكن لسان حال الناس يقول:« اسمع تفرح جرّب تحزن»، فلم يلمس المواطن حتى الان اية خطوة جريئة لمكافحة الفساد، الذي لا يطال فقط الادارات والمؤسسات العامة بل يطال بجزء واسع القطاع الخاص ايضا، «المتواطيء» مع كثير من الموظفين الرسميين وبعض اصحاب مركز القرار في الدولة للمساهمة في نهب البلد وتكديس الثروات ،والشواهد كثيرة خاصة في مجال العقارات والتجارة والمال.
    ولا تكفي نوايا العهد السليمة والصادقة لتحقيق الاصلاح والتغيير، ما لم يضع خريطة طريق واضحة ومحددة الخطوات والاجراءات، وبرغم ان الاتفاقات بين نواب كتلة العهد وبين الكتل الاخرى الاساسية تناولت مؤخرا بشكل خاص وضع نهج واضح لمكافحة الفساد وتحسين انتاجية الدولة. وهو الامر الذي اتفق عليه «حزب الله» مع «التيار الوطني الحر» والحزب التقدمي الاشتراكي، وهو الامر الذي رفعته «القوات اللبنانية» شعارا وبيرقا فوق وزاراتها وفي إداء وزرائها، وهو الحداء الذي يغنيه كل يوم معظم اركان القوى السياسية الاخرى.
ويفُترض ان يتم رسم خريطة طريق ووضع خطط واضحة لمكافحة الفساد وتحسين انتاجية الدولة واوضاع الناس والاقتصاد، قبل تشكيل الحكومة وخلال الاتصالات واللقاءات التي تجري وستجري لاحقا للبحث في التشكيلة الحكومية، لتشكل عناوين عامة لسياسة الحكومة المقبلة واستمرارا لمواقف العهد، ولتكون ملزمة في البيان الوزاري لكل القوى السياسية، وليكون رئيس الجمهورية هوالشاهد والحكم على الاداء الجديد، فيطلق صافرته عند ارتكاب اي خطأ، ويعطي الانذارات وصولا الى طرد اللاعبين المخالفين من ملعب الحكم.
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.