"كلمة السر" العائدة مع الحريري: هل ما زالت باريس تحظى بوكالة واشنطن والرياض؟

رلى موفّق

الكلام عن تشكيل سريع للحكومة العتيدة ليكون الـ «عيدية» أو تأخير طويل المدى, لا يستند إلى وقائع ومعطيات صلبة بقدر ما يندرج في خانة التكهنات. حتى الآن، تُعبّر تلك التكهنات عن رغبة قائليها.

لا يرتبط  أمر التأليف بالتعقيدات الداخلية التي تبرز مع كل تأليف حكومي بفعل مطالب الأفرقاء السياسيين وتضاربها ومحاولاتها الضغط للحصول على حصة أكبر وحقائب محددة، بالقدْر نفسه الذي تؤثر عليه التعقيدات الخارجية المتعلقة بالمناخات والتوافقات الإقليمية والدولية، التي تُشكّل البوصلة لما يمكن أن يطبع المرحلة المقبلة.

التعقيدات الداخلية تعكس، في غالبية الأحيان, تلك الخارجية. حسابات الداخل المرتبطة بالمكتسبات الذاتية لها قدرة محدودة على العرقلة. ليس بإمكانها أن تتحوّل إلى مشكلة سياسية فعلية تهدّد عملية التشكيل إلا إذا كانت تعكس ارتباطاتها الخارجية. ما عدا ذلك يمكن احتواؤه أو تجاوزه.

ثمة اقتناع بأن الظروف التي حكمت تأليف الرئيس المكلف سعد الحريري لحكومة العهد الأولى غير مماثلة لظروف اليوم، ما يطرح تساؤلات جدّية عما إذا كانت القواعد والمنطلقات التي اعتمدت في عملية التأليف الأولى لا تزال تسحب نفسها على عملية التأليف الثانية.

ما يتم رصده راهناً يتناول مفهوم الاستقرار الذي جرى تبنيه مع الحكومة الأولى بامتداداتها الداخلية والخارجية، وما إذا كان قادراً على أن يظلل الحكومة الثانية، أم أن التحوّلات التي تشهدها المنطقة ستفعل فعلها وتترك تأثيراتها عليها.

فقراءة اللحظة الراهنة يحكمها مناخ المواجهة الأميركية – الإيرانية، وهو يضغط على الساحات المؤثرة فيها والمتأثرة بها. وقْع الضغوط على إيران في سوريا جليّ، حيث الجنوب السوري رهن تسوية تقضي الالتزام بمضمون اتفاق «منطقة خفض التوتر» الذي ينص على خروج القوات الإيرانية والميليشيات الشيعية منه إلى عمق محدّد باتجاه دمشق، وتأمين الحدود الإسرائيلية – السورية – الأردنية من أي تهديد إيراني. تسوية قد يتم الوصول إليها بالتفاوض، وقد تستدعي معركة عسكرية محدودة ومحددة، تريد طهران توظيفها لربط نزاع إيراني – أميركي بعد خروج واشنطن من الاتفاق النووي. وكذلك وقْع الضغوط في اليمن، حيث بات تحرير مدينة الحديدة ومينائها من أيدي الحوثيين مسألة بحكم المنجزة.

وليس الحال على الساحة العراقية، التي شهدت انتخابات برلمانية بأفضل، رغم أن المواجهة هناك تلبس لباساً سياسياً. أوجه من الشبه تجمع بين بغداد وبيروت بوصفهما مرتعاً للنفوذ الإيراني والأميركي، وإن كان انخراط واشنطن في العراق أكبر وبشكل مباشر. وكل من العاصمتين تتحضر لتأليف حكومتها التي تتحكّم بها عناصر مشتركة إلى حد كبير.

على أن سبر الأغوار لبنانياً يطال هامش الدور الفرنسي والوكالة أو التفويض الذي حصلت عليه باريس سابقاً من أميركا والسعودية. كان لافتاً كلام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول أزمة الحريري في الرياض. كلام من شأنه أن يُحرج الرياض، وإن كان جاء في إطار إظهار فعالية الدبلوماسية الفرنسية، لكن أي مراقب لا يمكنه أن يقفز فوق هذا الكلام واستهدافاته.

في أروقة منظري «حزب الله»، العين على فرنسا، وما إذا كانت لا تزال قادرة ومُفوّضة لأن تكون «العرّاب» لاستمرار مفاعيل الاستقرار مع الحكومة الجديدة. الأنظار تتجه إلى زيارة الحريري للسعودية، التي رغم اتخاذها طابعاً عائلياً، يتم التعامل معها من قبل القوى الرئيسية في البلاد على أنها ستحمل «كلمة السر». لا يبدو أن هناك جدالاً حول تمسّك  كل من السعودية وأميركا باستقرار لبنان، لكن الأمر يتعلق بمعرفة هل ما زالتا تعطيان باريس هذه الوكالة.

التفويض الفرنسي له دلالاته، بالنسبة لمحور إيران، بأن المعادلة السابقة لا تزال سارية المفعول، وأن شبكة الأمان مستمرة. فرنسا ومن خلفها أوروبا ترى نفسها على تماس مباشر بواقع الاستقرار اللبناني، تحصد مخاطر النزوح السوري إلى أوروبا، وتداعيات الاهتزاز الأمني على  القوات الدولية العاملة في لبنان. لا بد من أن يكون للتمايز الأوروبي في الاتفاق النووي الإيراني تأثيراته الإيجابية على مستوى العلاقة مع «حزب الله» وحلفائه. تسهيل التأليف مصلحة لـ «حزب الله» الذي يتعرّض لضغوط أكبر من ذي قبل، وتتم مواجهته لبنانياً من قبل أميركا بالقوة الناعمة عبر العقوبات المالية. المعادلة السابقة، من وجهة نظر منظري «الحزب»، هي «استمرار تعايش منطق الاستقرار في البلاد ومنطق الضغط عليه»، وإن كان هؤلاء يُقرّون بأن ما يواجه «الحزب» راهناً من ضغوط هو أكبر بكثير مما واجهه سابقاً، لكنه لا يزال يعتبر أنه قادر على هضم ارتداداتها.

والتشكيل مصلحة أيضاً لرئيس الجمهورية الذي يريد أن يحكم، فيما لا يُخفي رئيس الحكومة رغبته في إنجاز التركيبة الوزارية بوقت قريب بغية ترجمة الوعود الدولية في عملية النهوض بالبلاد صوناً للاستقرار على مختلف الصعد. قد تأخذ العملية مدى زمنياً بين شهر وثلاثة أشهر، وهو مدى زمني طبيعي، لكن توفر الحصانة الداخلية ينتظر تبلور مصير الحصانة الخارجية وحدودها وطبيعتها، كي يُبنى على الشيء مقتضاه.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.