تأليف الحكومة والمعادلات الجديدة

الحريري يتمسّك بتمثيل "القوات اللبنانية"

موقع بعبدا في توازنات ما بعد الانتخابات… ورسائل المملكة حول تأمين المظلة لزعيم المستقبل

رلى موفّق
الرسائل التي وصلت إلى أكثر من طرف سياسي لبناني على علاقة جيّدة بالمملكة العربية السعودية تضمنت تأكيداً على أن الرياض، ومعها دول الخليج، ماضية في دعم زعيم تيار المستقبل سعد الحريري ما بعد الانتخابات النيابية، وأنها لن تألو جهداً في تأمين المظلة التي يحتاجها.
ليس مفاجئاً على الإطلاق بالنسبة للسعودية ما أسفرت عنه نتائج الانتخابات وفق القانون النسبي الجديد، حيث اعتبر وزير خارجيتها عادل الجبير أن الحريري استُعمل كواجهة لتغيير قانون الانتخاب. ما توقف عنده متابعون للملف اللبناني في مراكز القرار الخليجية هو أمران رئيسيان: أولهما، حجم التشتت الذي أصاب الطائفة السنية قياساً بانتخابات 2009 وما تلاها. والثاني، حجم انكفاء الناخبين السنّة عن المشاركة في الانتخابات، وهذان الأمران هما موضع مراجعة الحريري نفسه، حيث عكست الإعفاءات، التي اتخذها لرموز رئيسية داخل تياره، مدى وقع الصدمة من النتائج، لا سيما في بيروت التي حصل فيها مرشح «حزب الله» على أصوات تفضيلية أكثر مما حصل عليه ممثل السنّة الأول في لبنان.
دراسة الأسباب وتحليلها من شأنها أن تؤول إلى كثير من الاستنتاجات، وإلى وضع خطة لمعالجة مكامن الخلل تتجاوز الحسابات الضيّقة والعقول الإلغائية إلى خلق «إطار تحالفي ما». القانون النسبي فتح الباب على مصراعيه أمام قوى سياسية سنية، على غرار أسامة سعد وعبدالرحيم مراد وفيصل كرامي وجهاد الصمد، لتصل إلى البرلمان، فيما كان فوزها مستحيلاً ضمن القانون الأكثري، غير أن النَفَس الجامع الذي حرص الحريري على تأمينه ضمن طائفته في انتخابات 2009، غاب كلياً في 2018 وغلب عليه منطق تظهير الأحجام الصافية. منطق انجـرّت إليه غالبية التيّارات السياسية بفعل تركيبة القانون الذي بُني على تقسيم المُقسّم، في وقت خاض فيه ثنائي «أمل – حزب الله» وحلفائهما معركة سياسية موحدة في الدوائر التي لهم ثقل فيها، وخرجوا من الانتخابات بقوة نيابية أكبر. صحيح أن دائرة بعلبك – الهرمل، التي كان اختراقها غير ممكن سابقاً، قد شهدت فوزاً  لمرشحين من اللائحة المنافسة، إلا أن تلك المعادلة لم تنطبق على دوائر الجنوب.
النقاش الدائر منذ بدء ولاية المجلس النيابي الجديد وانتخاب هيئة مكتب المجلس، يتمحور حول حجم الخسارة التي مُنيت بها قوى «الرابع عشر من آذار» التي حصدت غالبية هيئة مكتب المجلس في العام 2009، وكان انتخاب رئيس المجلس نبيه بري خارج إطار المنافسة نظراً إلى أنه المرشح الأقوى الذي يمثل الطائفة الشيعية، على الرغم من أن القوة الناخبة لقوى «14 آذار» يومها كانت قادرة، قانوناً، على إيصال مرشح شيعي من صفوفها إلى الرئاسة.
مردّ النقاش يدور بالدرجة الأولى إلى عودة النائب إيلي الفرزلي للموقع الذي كان يشغله قبل انتخابات 2005 وهو موقع نائب الرئيس. عودة الفرزلي، أحد أبرز الرموز السورية في البلاد، طرَحت أكثر من علامة استفهام عن السبب وراء الإتيان به في وقت كان الحديث الجاري في أوساط «التيار الوطني الحر» بأن الموقع سيؤول إلى النائب إلياس بو صعب، فإذا بـ «تكتل لبنان القوي»، المحسوب على رئيس الجمهورية، يُعلن تبنيه ترشيح الفرزلي الذي قال بري إنه يفضله ويرتاح للعمل معه. تصريح يُفترض أن يُحرج رئيس «التكتل» جبران باسيل، لكنه آثر غض الطرف عنه.
في المعلومات أن المجيء بالفرزلي إلى نيابة الرئاسة كان مسألة ذات أهمية عالية لدى «حزب الله» لحسابات تتعلق بموقع رئاسة مجلس النواب، ذلك أن صلاحيات نائب الرئيس هي صلاحيات واسعة، إذ أنه – وفق «المادة 6» من النظام الداخلي – «يتولى صلاحيات الرئيس في حال غيابه أو عند تعذر قيامه بمهمته»، ما يعني أن منصبه ليس شكلياً كما هو منصب نائب رئيس مجلس الوزراء، ولديه صلاحيات واضحة ومحدّدة. الإتيان بالفرزلي يُشكّل إجراءً احترازياً لـ «الحزب» تحسباً لأي طارئ، لا سيما في ظل الضغوط الإقليمية والدولية التي يُواجهها، والتي لا يمكن لغير مَن جرى اختبارهم في وقت الصعاب أن يُؤتمن جانبهم.
ومردّ النقاش ثانية، خروج «القوات اللبنانية» من هيئة مكتب المجلس، حيث آلت المقايضة بين «الثنائي الشيعي» وتيار رئيس الجمهورية إلى  تبادل التصويت، فكان أن ترك تكتل عون الحرية لأعضائه تحت غطاء «تأمين الميثاقية» فتوزعوا بين الاقتراع لبري والاقتراع للورقة البيضاء. مقايضة أدت إلى الإطاحة بالتمثيل القواتي في هيئة المكتب.
ما جرى في هيئة مكتب المجلس، وفق «القوات» لا يُعبّر عن تغيير موازين القوى في المجلس النيابي بقدر ما يُعبّر عن تقاطعات داخلية أدت إلى هذه النتيجة. فترشيح النائب أنيس نصّار لم يكن مطروحاً على مستوى «القوات»، حيث كانوا في أجواء أن بو صعب هو المرشح من قِبَل تكتل عون، ولكن بعدما وصلتهم المعطيات عن سير التيار بالفرزلي، جرى ترشيح نصّار في موقف مبدئي رافض.
في قراءة المحيطين بـ «القوات اللبنانية» أنه من الخطأ النظر إلى نتائج الانتخابات وما جرى في انتخابات الهيئة العامة، من زاوية الانقسام الذي كان سائداً من قبل بين «8 و14 آذار»، وبالتالي القول إن المعادلة السياسية في البلاد عادت إلى ما كانت عليه قبل العام 2005.  ثمة محاولة من قبل «8 آذار» للإيحاء بذلك، بغية إرسال رسالة إلى الخارج بأنهم ممسكون بالمسار السياسي.
المتابعون لمجريات الأمور في صورتها الكليّة،  يُوَصِّفون حالة  «حزب الله» راهناً  بـ «الحالة المأزومة»، فهو يواجه عقوبات قاسية وضغوطاً أميركية وإقليمية جدّية عليه وعلى راعيته إيران، وهو يُدرك أن الظروف مغايرة للعام 2011، يوم انقلب على حكومة الحريري الأولى وضغط للإتيان بالرئيس نجيب ميقاتي من خلال «القمصان السود». ما يحتاجه «حزب الله» من مظلة داخلية يدفعه إلى انتهاج سياسة «تمرير الوقت»، إذ أن أي محاولة لإحداث «تغيير ما» على المستوى السيادي ستؤدي إلى الاصطفافات السياسية السابقة بين «8 و14 آذار»، لا بل عودة إلى  الانقسامات الطائفية التي أفرزها اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
هؤلاء يعتبرون أن ما يحاول «حزب الله» أن يُوحي به على أنه انتصار ليس سوى انتصار في الشكل، ولا يمكن ترجمته عملياً، فالبُعد المُتحكّم بالبلاد هو البُعد الطائفي، حتى لو تمّ التسليم بوجود أكثرية وأقلية، وهو ليس تسليماً دقيقاً، إذ أن كتلة رئيس الجمهورية هي كتلة وازنة تأخذ موقعاً وسطياً في المجلس، نظراً لحاجة عون لإدارة التوازنات الأكبر في اللعبة الإقليمية والدولية.
وإذا كان مفهوماً أن رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل يعمل وفق أجندة تعبيد طريقه إلى رئاسة الجمهورية خلفاً لعمّه، وهي أجندة كان يُفترض أن تكرّس مفهوم الأحادية المسيحية في الانتخابات، فإن النتيجة المتساوية على المستوى المسيحي بين «الوطني الحر» و«القوات» تجعل من الصعوبة، في رأي  أوساط «القوات»، تجاهلها أو محاولة محاصرتها واتباع سياسة «أحرجناهم فأخرجناهم». فالتطورات الضاغطة على لبنان تفرض على الحريري، الذي جرى تكليفه بالأمس لتأليف حكومة جديدة، الإتيان بحكومة واسعة التمثيل من جهة، والتمسّك بتمثيل «القوات» من جهة ثانية، كسند داعم له في الحكومة على مستوى القضايا الاستراتيجية، إذا ما عصفت الرياح بها!.
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.