من سخرية القدر أن تكون نتائج النسبية شبه مطابقة لنتائج الانتخابات النيابية، والتشكيلات الوزارية، التي كان يرعاها غازي كنعان. الأمثلة كثيرة: أعادت النسبية البعريني (وليد) والمرعبي (طارق) في عكار، ميقاتي والجسر وكرامي وجان عبيد في طرابلس، جهاد الصمد وفتفت (سامي) في الضنية. يمكن أن يكرر والد الأخير، أحمد فتفت، أسطورة انه فاز رغماً عن إرادة السوريين حينذاك. لكن ذلك لا يلغي كونه جزءاً من المشهد الكنعانيّ. الأحباش عادوا، وأسامة سعد، وآل الخازن، وعبد الرحيم مراد. غالبية الذين أقصتهم مرحلة ما بعد 14 شباط 2005 حاضرون اليوم، بقوة أصوات ناخبيهم، وبقانون انتخابي هو الأفضل في تاريخ لبنان. ثمة «يد خفية» تمارس الانتقام، أو السخرية. ما حرص كنعان، ومن بعده رستم غزالي، على حفظه، عاد جديداً، طازجاً. كما لو أننا في سفر عبر الزمن، إلى يوم 13 شباط 2005، أو 14 تشرين 1990، لا فرق. لكن هذه المرة، بلا دماء، وبلا مؤامرات، وبلا تحضيرات لاغتيال، وبلا قصر جمهوري مدمّر. يصل مشهد الانتقام إلى ذروته. ميشال عون في بعبدا. ثمة ما أراد الحكم السوري محوه، ففشل. لكن الجنرال رجع، بتحالف مع سوريا وحلفائها. يبدو الأمر انتقاماً سورياً من الحكم السوري، أو، من أحد أجنحته. الحدث أقرب إلى السوريالية. ميشال عون في بعبدا. نبيه بري في عين التينة، إيلي الفرزلي نائب له، والحريري (سعد) في السرايا.
يتجاوز انتقام اليد الخفية كل الحدود، عندما تلتقي ممثلة «المجتمع المدني» الوحيدة في المجلس النيابي، بولا يعقوبيان، بأحد أشهر رجال النظام الأمني اللبناني ــــــ السوري المشترك، جميل السيد. يتصافحان، يتبادلان القبل، ويبتسمان. حتى يعقوبيان ليست غريبة عن مشهد الحكم قبل 14 شباط 2005. فوزها بمقعد نيابي أقرب ما يكون إلى خاتمة المسيرة «الطبيعية» لإعلاميّ من ذلك الزمن، يقف عند نقطة تقاطع الحاكمين، المحليين والإقليميين والدوليين.
مجلس النسبية انعقد أمس. فيه الكثير من ملامح لقاء «عين التينة» الشهير. هو شهادة، للتاريخ، على أن غازي كنعان «حيّ فينا». لم ينقص الصورة لتكتمل سوى ثلاثة: آل سكاف، وآل فتوش، و… فارس سعيد.