بادر نادر الحريري بعد الانتهاء من دراسة نتائج الانتخابات الى التشاور مع أصدقاء له من داخل قيادة «المستقبل»، ومن خارجه أيضاً. شاورهم بالأمر من زاوية أن خسارة جدية حصلت في السادس من أيار، وأن الجميع سوف يحمّلونه المسؤولية من زاوية أن تراجع شعبية الحريري ناتج من خياراته السياسية. من التسوية مع الرئيس ميشال عون وفريقه بقيادة جبران باسيل، الى التهدئة مع حزب الله والرئيس نبيه بري، الى الابتعاد عن مكونات 14 آذار التي اقتنع الحريري بتراجع قيمتها على الأرض، فضلاً عن الموقف من القوات اللبنانية. قال نادر لأصدقائه، إن الحريري قد يجد صعوبة في القيام بمراجعة مع خطوات تليها. وإن تجربة الأشهر الستة الماضية تظهر عدم قدرة سعد الحريري على القيام بخطوات ضرورية لمعالجة الخلل.
عملياً، انتهى نادر الى إبلاغ الجميع أنه قرر المبادرة الى تقديم استقالته، من باب مساعدة سعد على مواجهة المناقشات والمراجعات المطلوبة والضرورية. ثم نفذ خطوته، فكان جواب سعد الحريري بأنه سيناقش الأمر ويجتمع به الاثنين (أي اليوم) على أساس أن نادر سيمضي نهاية أسبوع طويلة في باريس (من الخميس الى الاثنين). لكن الذي حصل أن سعد أبلغ نادر، مساء السبت، أنه قبل الاستقالة، وأنه يوافق على أن يمضي كل منهما في طريقه وأن يحافظا على علاقتهما الشخصية، الى أن يختارا وقتاً مناسباً للعودة الى النقاش.
نادر، كان في أجواء سلسلة مقررات وخطوات ينوي سعد المبادرة الى اتخاذها. «البحصة» التي نصح المقربون من سعد تأجيل بقّها الى ما بعد الانتخابات، خرج منها فتات يوم عدل لوائح المرشحين للانتخابات النيابية. لكن الجميع قال له بأن تغييرات كبيرة على صعيد قيادة التيار سوف تؤثر على الحملة الانتخابية، وإن من الأفضل تأجيلها الى ما بعد السابع من أيار. لكن أشياء كثيرة حصلت خلال تلك الفترة، فتحت الباب أمام ما يحصل الآن في البيت الأزرق.

أولاً، صحيح أن محمد بن سلمان قرر فتح صفحة جديدة مع سعد، لكن اعتراضات الرياض على الفريق اللصيق برئيس الحكومة لم تزل. كل ما حصل، هو أن السعودية ارتضت أيضاً ترك الأمور الى ما بعد الانتخابات. كانت خشيتها من بلبلة تطيح كل حصة الحريري النيابية، أو تضعها في سلال أخرى. حتى إن السعودية لم تبذل جهداً كبيراً لإقناع سعد بالعودة الى تحالفاته السابقة. وهو لم يقفل باب التواصل مع الجميع، لكنه صارح السعودية بأنه يريد هامش مناورة يبقيه قريباً من الرئيس عون وفريقه. ومع ذلك، يصر متصلون بالجانب السعودي على أن سعد الذي رفض أي مساعدة مالية سعودية عاجلة، وفضل الاقتراض من أحد المصارف لتغطية تكاليف حملته الانتخابية، كان يريد حفظ هوامشه، وأن لا يصطدم بأحد. لكن سعد، كان يعرف، أنه في النهاية، لا مجال لإصلاح أموره المالية، إلا من خلال دعم خارجي. وهذا الدعم مصدره السعودية حصراً، لأن الإمارات العربية المتحدة أبلغته أنها لن تبادر الى أي خطوة لا تحظى بموافقة الرياض. ويقول المتصلون إن سعد أبلغ من يهمه الأمر أن مطالب السعودية الضمنية سوف يعمل على تحقيقها، لكن بعد الانتخابات. وبالتالي، يقول هؤلاء إن إبعاد نادر تم عملياً لأجل تحقيق هدفين، الأول، إرضاء للسعودية، والثاني، لاستخدامه في تنفيذ خطة سعد «تطهير» فريقه، وإن إبعاد نادر سوف يعني أن لا خيمة فوق رأس أحد.
ثانياً، إن الوسيط الإماراتي بين الحريري والرياض كان واضحاً في أن تغييرات يجب أن تحصل، وأن تفهُّم العلاقة بين الحريري وعون لا يلغي الاعتراض على نوعية الصفقة الرئاسية وتفاصيلها، وأن الجميع يعتبر أن نادر الحريري ومعه نهاد المشنوق وغطاس خوري يتحملون بصورة أساسية مسؤولية كل المرحلة السابقة. بالإضافة الى آخرين، بينهم مسؤولون في الملف الإعلامي عند رئيس الحكومة. صحيح أن الإمارات تخلت عن البدائل مثل أشرف ريفي، لكنها لم تقتنع بصوابية ما يقوم به سعد الحريري. وربما كان الإماراتيون الأكثر دقة في توصيف وضع الحريري والقول بأن شعبيته تراجعت بقوة. وبالتالي، فإن الانتخابات النيابية لن تنتج وضعية أفضل له.
ثالثاً، جاء فشل مشروع إطاحة الحريري في الخريف الماضي ليقفل الباب على آليات عمل، لكن لم يسقط المشروع من أصله. وظل السعوديون، ومعهم الإماراتيون وبعض المسؤولين الأميركيين، يتحدثون عن ضرورة الإعداد لخطوة جديدة، تمكن الحريري والفريق السياسي من خوض معركة أقسى ضد حزب الله. وطُلبَ من الحريري إظهار الاستعداد من خلال بعض المعارك الانتخابية، كما حصل في البقاع الشمالي والجنوب (الدائرة الثالثة)، لكن حصيلة الانتخابات أظهرت صعوبة الأمر، وأن المطلوب إدخال تعديلات جوهرية. حتى إن هذه العواصم لم تقتنع كثيراً بما كان يقوله الحريري، على لسان نادر، بأن عملية إبعاد جبران باسيل عن حزب الله تسير بنجاح، لأن تقويم هذه العواصم يقول بأن باسيل إنما صعّد موقفه ضد الرئيس نبيه بري، وليس ضد حزب الله، وإن عدم حصول تحالف بين التيار والحزب في أكثر من دائرة لا يعني الاختلاف الكبير بينهما. حتى إن الأطراف الخارجية توقفت عند احتجاجات قيل إن الحريري مصدرها، وتركزت على عدم احترام التيار الوطني الحر التفاهمات الانتخابية مع الحريري في بعض الدوائر، علماً بأن معظم من تحالف مع التيار الوطني يشكون من هذا الأمر.

رابعاً، إن معركة رئاسة الحكومة ليست حدودها نتائج الانتخابات فقط، أو التفاهم مع الرئيس عون، لأن المضمون السياسي الذي تبحث عنه العواصم الخارجية يقتضي تعديلات جوهرية، وهو أمر سيفرض على الحريري إعادة النظر بقسم من تحالفاته، الأمر الذي يبدو غير متاح إن بقي الحريري يعمل بعدّته القديمة نفسها. ما يعني أن حصول الحريري على التغطية الإقليمية والدولية، بالمستوى المتوفر حالياً نفسه، إنما يحتاج منه الى خطوات تجعله يأخذ مسافة من بعض الحلفاء الحاليين. وتفرض عليه إعادة إبراز موقفه السياسي المعترض على حزب الله بشكل رئيسي. وبالتالي، فإن الحريري سيكون مضطراً الى إدخال تعديلات كبيرة على فريقه وكل مشروعه، وربما وجد في نتائج الانتخابات حجة كافية للقيام بهذه التغييرات، التي ستشمل هذه المرة فريقه الوزاري بعدما شملت سابقاً فريقه النيابي. يأتي في هذا السياق، قراره التخلي عن الوزراء: نهاد المشنوق، غطاس خوري وجمال الجراح، مع العلم بأن للحريري أسبابه المتصلة بما يسميه البعض «الإفراط في عمليات استغلال السلطة وعمليات الفساد من جانب جهات محسوبة على التيار نفسه»، مع العلم بأن جميع المقربين من سعد، سواء المرضى أو المغضوب عليهم، يقولون بأن هذه العمليات إنما جرت بناءً على تمنيات الحريري توفير خدمات لا يمكن توفيرها في ظل العجز المالي الذي يعانيه الرجل.
عملياً، ما حصل يقود الى استنتاج أولي بأن الحريري لم يعد قادراً على الاستمرار بطريقة العمل السابقة نفسها. وإذا كان ملزماً القيام بخطوات، فهو يفضل أن تتم على طريقته لا أن تفرض عليه فرضاً. وبالتالي، فإن الحريري مقبل على مزيد من القرارات الداخلية، من دون تحديد مسبق لدائرتها، مع الإشارة الى همس حول نيته القيام بمناقلات واسعة داخل إدارة الدولة تشمل المواقع والأسماء المحسوبة عليه. وهي بالمناسبة خطوة – مناورة، يفكر بها أقطاب من جهات سياسية أخرى.
في المحصلة، لا يمكن عزل خطوة سعد الحريري عن نتائج الانتخابات النيابية. لكن، لا يمكن حصرها بأسباب تنظيمية أو إدارية متصلة بوضع التنظيم، أو بمشكلات انتخابية. بل لها سياقها القابل للصرف في لعبة سياسية تتجاوز ما هو ظاهر، وسوف تظهر الخطوات الإضافية حجمها ودقتها، كما ستظهر ما إذا كان الحريري مستمراً في مناوراته داخل لبنان وخارجه، أم أنه قرر العودة طوعاً الى بيت الطاعة!