«هيئة الإشراف» في «مواجهة» الداخلية والخارجية!؟ 

جورج شاهين
على هامش المعارك الإنتخابية الطاحنة تعزّز الروايات التي تحصي حجم المخالفات المرتكبة الإقتناع بما ستشهده هذه الإنتخابات من طعون امام المجلس الدستوري قياساً على حجم الشكاوى التي رُفعت أمام هيئة الإشراف والتي تجاوزت المئة شكوى حتى اليوم. وهو ما طرح السؤال عن النتائج التي يمكن أن تصل اليها هذه الشكاوى ومَن سينظر في أحقّيتها من عدمها؟ وماذا ستكون عليه النتائج؟

قبل 26 يوماً على موعد فتح صناديق الإقتراع في 6 أيار المقبل ارتفع منسوب الشكاوى المعلن عنها أمام هيئة الإشراف على الإنتخابات والمراجع القضائية ومحكمة المطبوعات، أو تلك التي يدور الحديث عنها في الأروقة السياسية بهدف تجميعها وتوثيقها لتعزيز الطعون التي يمكن أن تُرفع لاحقاً الى المجلس الدستوري.

وعلى هذه الخلفيات، تبدو للمراجع المراقبة لسير العمليات الإنتخابية أصناف عدة من الشكاوى ابرزها ما يتّصل بأداء الوزراء المرشحين، عدا عن تلك المتّصلة بالمال الإنتخابي وحجم العمليات التي تواكب التغطية الإعلامية والإعلانية لدى المرشحين المتموّلين كل على حدة، بمعزل عن اللوائح الإنتخابية التي تجمعهم في المواجهة المفتوحة في ما بينها. عدا عن الشكاوى حول مَن يدير انتخابات المغتربين ويشرف عليها ووضع «الداتا» الخاصة بهم بيد ماكينات حزبية تابعة للسلطة ووزارة الخارجية واحدة منها.

وانطلاقاً من هذا التصنيف، تبدو الشكاوى المرتبطة بأداء اهل السلطة اكبر وأخطر من غيرها. وخصوصاً عند تحوّل بعض الوزارات والمؤسسات العامة مراكز للمكاتب الإنتخابية لمرشحين جنّدوا القدرات المتوافرة لتعزيز اوضاعهم الإنتخابية. فمنذ متى تُعرَض الوظائف على الناخبين في المهرجانات والزيارات الإنتخابية. فما من يوم أحد يعبر في بعض القرى إلّا وتليه الدعوات الى تجهيز الملفات الشخصية لنيل هذه الوظيفة أو تلك، بالتعاقد او بالتعيين في المؤسسات التي يحقّ لها دفع المخصصات للمياومين والمتعاقدين أو بالفاتورة.

وتتزامن هذه العروض التي كانت مستحيلة قبل أشهر، مع حجم الخدمات المدرسية والصحية التي تقدَّم للناخبين موسمياً، أو تلك التي تتصل بتوفير كلفة الزيارات الى المراقد الدينية التي شكا منها الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله قبل يومين بالنظر الى قرب حلول شهر رمضان المبارك.

وتفيض عنها التدخّلات لدى القضاء والأجهزة الرقابية التي ظهر أنّ بعضها يمكن أن يحسم في هذه القضية أو تلك، أو لدى مؤسسات الخدمات والمساعدات المالية والعينية وصولاً الى تلك المتّصلة بالهيئة العليا للإغاثة وصندوقي الجنوب والمهجّرين من دون أيّ مبرّر أو مناسبة تستدعيها.

قد يطول الحديث عن الخدمات الرسمية الشخصية والجماعية في موسم الإنتخابات بالنظر الى تشعّبها وكثافتها. ولكن ما هو أخطر منها هو الحديث عن شراء الأصوات بمئات وآلاف «الأوراق الخضراء» سعياً وراء الصوت التفضيلي، علماً أنّ مثل هذه الشكاوى تتّصل بالحرب «البينية» بين أبناء القائمة الواحدة، وما بين اللوائح المتنافسة وهو ما سيترك آثاراً بالغة في وقت لاحق، في ظلّ قانون يسمح بإمكان التقدّم بطعون ضدّ الحلفاء والخصوم في آن. ومن دون أيّ ضوابط طائفية أو مذهبية عندما كانت محصورة وفق القانون القديم بين الخاسر والفائز عن المقعد عينه.

والى هذه النماذج المتداوَلة من الشكاوى والطعون المتوقعة تجدر الإشارة الى أنّ بعضها يشمل الإطلالات التلفزيونية بعدما تحوّل بعض البرامج الترفيهية، كما السياسية منها، مسرحاً للمنازلات الإنتخابية وهو أمر قاد الى شكاوى رُفعت أمام هيئة الإشراف والتي أحالت معظمها الى وزارة الإعلام التي تعوّض الشاكين باستقبالهم على شاشة تلفزيون لبنان بدلاً من الشاشات المرئية بكثافة عالية.

ولا ينسى العارفون، عند البحث في مثل هذه الشكاوى عدد كتب الإنذار التي وجّهتها هيئة الإشراف الى وسائل إعلامية، لتلفت نظرها وتنذرها الى الخلل الفاضح في التغطية الإعلامية بما أثاره البعض منها من إثارة للفتنة تارة، وتارة أخرى بعدم التصريح عن الكلفة الحقيقية للظهور الإعلامي في البرامج ذات المشاهدة العالية التي تزيد فيها كلفة الإعلان لعشرين أو ثلاثين ثانية الى عشرات الألوف من الدولارات فكيف بتخصيص نصف ساعة أو ساعة للضيف المرشح.

أضف الى ذلك ثمّة شكاوى برزت من استضافة بعض المؤسسات الإعلامية لمدراء وخبراء في مؤسسات الإستطلاع الإنتخابية الذين ينشرون نتائج إستطلاعاتهم التي توحي بتقدّم هذه اللائحة أو هذا المرشح، في وقت حدّدت معايير لا تسمح بنشر نتائج هذه الإستطلاعات وعدم الإشارة الى الأسماء منعاً للتأثير في الناخبين الذين ربما اعتبروا أصواتهم تجاه المرشحين الآخرين «ضائعة» فيفضلون الإنسياق وراءها.

وهي بالنتيجة قضية شائكة تسعى الى معالجتها هيئة الإشراف من دون وضوح الآلية التي يمكن أن تحسم بها لمصلحة الشاكي أو المشكو منه. فالعملية من أوّلها الى آخرها تبدو غامضة وملتبسة ولا تتناسب وحجم ما نصّ عليه القانون من ضوابط وعقوبات.

وامام كل هذه النماذج من الشكاوى المتداوَلة على اكثر من شفة ولسان، يرى العارفون أنّ هيئة الإشراف تجد نفسها عاجزة عن تلبية الغايات التي أُنشئت من أجلها.

فالإمكانات المادية لم توضع في تصرّفها سوى قبل اسبوعين، وهي لا تملك الأجهزة التي تحقق وتدقق في الشكاوى فتحيلها الى المراجع الوزارية فتقع أحياناً في أيدي الوزارات والمؤسسات المشكو منها ليتحوّل المرجع خصماً وحكماً في آن.

فتنتهي الشكوى في دهاليزها، كما الى المراجع القضائية التي لا يتّسع لها الوقت للبتّ بها في ظلّ إعتكاف بعض القضاة اعتراضاً على حقوق سلبت منهم في مشروع الموازنة الأخيرة قبل تصحيح الوضع في آخر جلسة تشريعية.

وختاماً لا بدّ من الإشارة الى أنّ كل هذه الوقائع قد وضعت هيئة الإشراف في مواجهة مع وزارتي الداخلية المكلّفة إدارة العملية الإنتخابية والخارجية التي تتعاطى مع انتخابات المغتربين ليظهر في وضوح حجم العجز عن المواجهة المتكافئة معهما.

وكأنّ لسان حالها يقول: «إنّ هيئة الإشراف على الإنتخابات في لبنان لا تشبه في دورها وصلاحياتها أيَّ هيئة مماثلة في أيّ دولة أخرى تدير فيها العملية الإنتخابية باستقلالية إدارية ومالية وقانونية كاملة عن الحكومة وأجهزتها المختلفة.

ولذلك يُخشى أن تكون الهيئة «شاهد زور» الى حدٍّ بعيد طالما أنّ العملية الإنتخابية لم تُنط بها من ألفها الى يائها. وأن ليس لديها ما يكفي من أجهزة وسلطة للبتّ بالشكاوى المرفوعة امامها بالسرعة المطلوبة في الشكل والمضمون والنتائج.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.