مواجهة "عقلانية" بين الدين والقلب في زواج الطوائف

رين بريدي

طرحت قضية زواج بطرس كتّورة المسيحي من مروى فواز المسلمة، مسألة في غاية الحساسية في لبنان، خصوصاً أن العروس المسلمة تكلّلت في الكنيسة بحجابها الإسلامي، بعد أن كان العريس المسيحي قد عقد قرانه عند رجل دين شيعي.

وبغض النظر عن "البروباغندا" التي رافقت هذا الزواج باعتباره خطوة "تكسر الانقسامات الطائفية وتعبّر عن الوحدة الوطنية"، فإن "الخفّة" والسطحية طغت على أسلوب التعامل مع هذه الحادثة التي قد تكون الأولى في شكلها، لكن ما سبقها من "مغامرات" تزاوج بين الطوائف لم ينجح في "كسر الانقسامات الطائفية" ولم يساهم في "الوحدة الوطنية".

العناوين التي أُسقطت على هذا الزواج غير موضوعية، فالزواج حصل بين شخصين استخدما الدعاية لغاية مجهولة، ونجحا فيها.. لكن هل هناك من يستطيع إعطاء أرقام عن عدد الزيجات المدنية المختلطة دينياً؟

في كل الأحوال، المسألة تعود إلى الأصل، والأصل فيها هو مواجهة البيئة الدينية والاجتماعية والعائلية، وبالتالي حالة "الانسلاخ" التي يعيشها أحد الطرفين عن أهله وأقربائه وبيئته.

قبل الحرب اللبنانية، كان التزاوج بين أشخاص من أديان مختلفة، كثيرة جداً. كانت الأحياء والبنايات تشبه فسيفساء لبنان، وكان الانتقال الوظيفي سبباً في حصول ذلك الاختلاط. كان الجندي يخدم في منطقة غير منطقته وأستاذ التعليم الرسمي يعيّن في محافظة أخرى. أوجد ذلك بيئة لبنانية متداخلة لا يمكن تصنيفها دينياً. في الحرب بمراحلها وجولاتها المتعددة، حصل الفرز الطائفي ثم حصل الفرز المذهبي، فتراجعت نسبة التزاوج بين الطوائف إلى حدود نسبة الصفر بالمئة. ثم بعد الحرب، صار المكان الوحيد للإختلاط الطائفي بين الشباب اللبناني في الجامعات. لكن مع تراجع الفكر العلماني، كان الانتماء السياسي ـ الديني يقف عائقاً أمام حصول تقارب عاطفي بين هؤلاء الشباب، باستثناء قلة ممن يحملون أفكاراً علمانية أو متحررّة طائفياً.

ولطالما كانت مشكلة الإختلاف في الدّين، معضلة تواجه الشّباب الّذين وقعوا بحُبّ "الشّخص الغلط"، فتنشطر قلوبهم بين العائلة والمجتمع من جهة، والحُب والإنسجام من جهة أخرى. وبالرّغم من "أكذوبة" "العيش المشترك"، فإننا ما نزال متمسّكين بمبدأ "يلّي بياخد من غير ملّته، بموت بعلّة غير علّته"، وبالتالي لا يمكن الزّواج بسهولة بين شخصين من دينين مختلفين "حتّى ما تقوم القيامة"!

"الحُبّ أقوى من كل شي"، تقول ر.م. فتاة مسلمة تحدّثت لنا عن تجربتها مع شابّ مسيحيّ. "ما يهمّ حقّاً هو الإتّفاق والإحترام المتبادل من كلا الطّرفين، والأساس في العلاقة بين شخصين من دينين مختلفين هو تقبّل دين الطّرف الآخر".  ترى ر.م أن "مشكلة في أن يعيّد أطفالي الأعياد الإسلاميّة والمسيحيّة، ولن أطالب يوماً من أحبّ أن يغيّر دينه لأجلي، سنتزوّج كلٌّ منّا على دينه، لا يهمّني كلام النّاس أمّا عائلاتنا فليس من حقّها التّحكم بحرّياتنا الشّخصيّة، ولن نقيّد نفسينا بعاداتٍ وتقاليدٍ أصبحت من الماضي".

تسرد ر.م عن العديد من الأفكار السّائدة التي تتمرّد عليها، طارحةً العديد من الأسئلة "إذا تزوجته بصير كافرة؟ يعني الحبّ حرام؟عيب؟ الله محبّة يا ناس"!

الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون

العديد من العاشقين لا يعير إهتماماً للمستقبل وما ستكون عواقب الأفعال "المتهوّرة" إذا لم تُدرس جيّداً. لا بدّ في هذه الحالات من التّفكير في الغد أكثر من الحاضر، لأنّ خطوةً جريئة كهذه، تحمل مخاطرةً كبيرةً. ففي حال اختلف الطّرفان في ما بعد ذلك سيشرذم عائلةً بأكملها، والأطفال سيعيشون حالةً من التّخبّط، ليس فقط بين الأمّ والأبّ، لا بل بين هذه العائلة وتلك، وهذا الدّين وذاك…

تروي سيّدة  (رفضت أن نذكر اسمها) عن تجربتها الّتي فشلت مع زوجها، و كان "ضحيّتها" طفلان، مسيحيّان في الهويّة، ومسلمان في الإنتماء. أمّا المعضلة الكبرى هي ما يتعرّض له هذان الطّفلان من مضايقات وسخرية من قبل المحيط الّذي يعيشان فيه. يسأله أصحابه "شو صايم يا جاكو؟ 12 الفطور أو عالمغرب؟".  لو درس الطّرفان العلاقة بطريقة عقلانيّة بعيداً عن نزوة الحُبّ لما عانى الأطفال ممّا يعانيان منه اليوم.

 عندما يدقّ العقل ناقوس الخطر

"من أجل قلبي، لن أضحّي بمن أحبّ، بأطفالي وبنفسي"، تقول ك.م.، الفتاة المسيحيّة الّتي لم تسمح لعلاقتها بحبيبها المسلم أن تستمرّ بالرّغم من المشاعر الجيّاشة والشّغف بينهما. "لم يكن الفراق سهلاً ولكن العديد من الأفكار السّوداء راودتني، بكرا بتروح السّكرة وبتجي الفكرة. كيف لي أن أواجه عائلتي التي تعتبر أنّ هكذا زواج هو بمثابة نهاية العالم؟ وعندما اقترح عليّ أن يغيّر دينه لأجلي، شعرت كأنّني سأسلخه من محيطه وعائلته، وهذا ظلم لا أرضاه لمن أحب. وفي حال تزوّجنا كلٌّ منّا على دينه ماذا عن أولادنا الّذين سيفقدون هويّتهم الدّينيّة ويدخلون في متاهة البحث عن كيانهم؟ وكيف سيتخبّطون بين عائلتي وعائلة زوجي، لأن كلّ واحد بدو يشدّ اللّحاف لصوبه"!

التجارب والوقائع تثبت أنه لا يمكن للإنسان أن يتخطّى واقعه والمجتمع الّذي يعيش فيه بسهولة، الخسائر ستكون فادحة. لذلك سيكون الإختيار صعباً حتّى لا يكون النّدم هو النتيجة، بعد أن يصبح التّراجع صعباً جدّاً.

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.