رواية إسرائيلية لقصف "المفاعل النووي" في سوريا!

•أذكر جيداً الطلب المستعجل لرئيس الموساد الاجتماع معي، في مطلع آذار/مارس. كانت العلاقة بيني وبين رئيس الموساد ممتازة، لكن طلب الاجتماع كان غير مألوف: فالموساد تابع لرئيس الحكومة، بينما الجيش الإسرائيلي تابع لوزير الدفاع.

•جلس مئير داغان في مواجهتي، في غرفة سادها جو ثقيل جداً. وبهدوء معروف عنه وضع على الطاولة الصور التي كشفت مفاعل كوريا الشمالية النووي.

•لقد سمحت مناورات التضليل الذكية التي قام بها الرئيس بشار الأسد للمقاول بالمضي قدماً نحو المراحل النهائية في بناء مفاعل نووي جاهز للعمل، من دون أن تشك أجهزة الاستخبارات الغربية بحدوث نشاطات غير مألوفة. وكان الانطباع أن ما يجري بناؤه مزرعة زراعية بريئة.

•شكلنا، رئيس الحكومة إيهود أولمرت وأنا، طاقمين مختصين: كُلف الطاقم الأول بمهمة إجراء اجتماعات أسبوعية في منزل رئيس الحكومة. الطاقم الثاني، كان برئاستي، وضم رئيس الأركان غابي أشكينازي، وقائد سلاح الجو أليعيزر شكدي، ورئيس الاستخبارات العسكرية عاموس يادلين، ورئيس شعبة التخطيط عيدو نحوشتان، ورئيس شعبة العمليات غادي أيزنكوت والأمين العام العسكري إيتان دنغوت. وضممت إليهم نائبي أفرايم سنيه، كي أضيف إلى الطاقم بعداً مدنياً.

•كانت عملية اتخاذ القرارات التي واجهتها لها علاقة بثلاثة تحديات: الاستخباراتي، العملاني، والسياسي. وشكلت الفترة الزمنية تحدياً مهماً ضاغطاً، بسبب الخوف من تسريبات لوسائل الإعلام والحاجة إلى تنفيذ العملية قبل أن يبدأ المفاعل بالعمل بصورة تجعل أي هجوم يتحول إلى كارثة بيئية، وخصوصاً بسبب قرب المفاعل من نهر الفرات. فلو حدث ذلك، لكان كل ولد سيولد مع تشوه في كل واحدة من الدول المجاورة للنهر، ولكان أصبع الاتهام سيوجه نحو إسرائيل.

•التسريب الإعلامي كان سيدفع المجتمع الدولي إلى مطالبة إسرائيل بالامتناع من القيام بعملية عسكرية وأن تتخذ بدلاً منها خطوات دبلوماسية. وكانت نقاشات لا نهاية لها في وكالات الطاقة النووية، وفي الجمعية العامة لمجلس الأمن والأمم المتحدة، ستعمل على إحباط العملية. ويكفي أن نتذكر أنه في فترة لاحقة سيطر تنظيم "داعش" على المنطقة التي بُني فيها المفاعل، كي نفهم إلى أي حد كان مثل هذه العملية ضرورياً.

•مقاربة داغان التي بحسبها يجب عدم السماح بانتقال المسؤولية عن أمن إسرائيل إلى أي طرف خارجي، حتى لو كان من أفضل أصدقائنا، تبنتها المؤسسة كلها. من الناحية العملانية كان هناك إجماع جارف بشأن ضرورة العمل الفوري لتدمير المفاعل، مع فحص الخيار الأصح الذي من شأنه أن يقلص مخاطر تصعيد شامل والمسّ بجنود الجيش الإسرائيلي. وطلبت أن أطرح على الطاولة عدة خيارات.

•فيما يتعلق بالمستوى السياسي، قرر أولمرت إطلاع الأميركيين على مستجدات الوضع بأقصى سرعة ممكنة. ومن حسن حظنا استجاب وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس لدعوتي وقام بزيارة إسرائيل. في 18/4/2007 استقبلناه في وزارة الدفاع. صباح اليوم التالي عند الساعة 7.30 صباحاً جئت إلى غرفته في فندقه في تل أبيب مع يادلين ودنغوت. وفي لقاء سري كشفت أمامه المعلومات التي كانت لدينا بشأن المفاعل السوري. وفي المقابل أُرسل داغان إلى الولايات المتحدة، باسم رئيس الحكومة، من أجل تزويد الرئيس جورج بوش بالمستجدات.

•في ذروة هذه الدراما الأمنية جرت الانتخابات الأولية لرئاسة حزب العمل. خضت النضال السياسي إلى جانب معالجتي التحدي الأمني، الذي احتل أولوية عليا، طبعاً.

•في 12/6/2007 انتُخب إيهود براك لرئاسة حزب العمل. وواصلت عقد اجتماعاتي الأمنية كالعادة. في 14 حزيران/يونيو، وفي اجتماع أخير للطاقم العملاني الذي شاركت فيه أعلن قائد سلاح الجو أنه مستعد للقيام بالعملية، وطلب الإسراع في اتخاذ القرارات. في اليوم التالي وفي ذروة نقاش أمني في منزل رئيس الحكومة، جرى قبول طلب براك تولي منصب وزير الدفاع من دون تأخير، وفي 18 حزيران/يونيو جرت عملية تبادل المناصب في الكنيست.

•انطلاقاً من شعوري بالمسؤولية حرصت على أن أنقل إلى براك تغطية منهجية تتعلق بتفاصيل الإعداد لتدمير المفاعل السوري. أمن الدولة يأتي دائماً قبل أي اعتبار سياسي.

•كانت الفترة التي توليت فيها وزارة الدفاع مليئة بالتحديات.، بدءاً بعملية "أمطار صيف" [سلسلة مواجهات جرت بين الجيش الإسرائيلي والفلسطينيين وأسفرت عن خطف الجندي غلعاد شافيط] في قطاع غزة، وحرب لبنان الثانية، وإعادة الردع إلى الشمال، وخطة التدريبات في الجيش الإسرائيلي، وإقامة سلطة طوارىء وطنية، وتحصين غلاف غزة، وصولاً إلى قرار إقامة منظومة "القبة الحديدية". بالإضافة إلى هذا كله، نُفذت سلسلة طويلة من العمليات السرية جرى الإعداد لها وتنفيذها خلال فترة تولي منصبي، من الأفضل عدم الحديث عنها.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.