تناقضات حكومية بين الوهم والانفصام

 ** نورما أبو زيد **

تعاني الحكومة اللبنانية من مرض الانفصام في الشخصية، وهذا الانفصام هو المسؤول عن الازدواجية التي تتعاطى بها مع الملفات السياسية.

فهذه الحكومة "الفاصلة" و"المفصولة" والمنفصلة عن الواقع، تغضّ الطرف عن تنسيق على مدى ال24 ساعة في اليوم ما بين الجيشين اللبناني والسوري، وتعلق في حنجرتها "حجرة" تطلّ من "طاقتها" على دمشق لإعادة النازحين السوريين إلى بلادهم.

وهذه الحكومة لا تعترض على وجود سفير لسوريا في لبنان، وتعيّن سفيراً للبنان في دمشق سوف "يُعمّد" لا محالة على يد الأسد للحصول على بركته وتبريكاته عندما يقدّم له أوراق اعتماده، ثم يحاول بعض مكوناتها في الوقت عينه دفع الحكومة لإعلان العداء المطلق المبرم لنظام الأسد.. بل والدعوة إلى حملة تجنيد للإطاحة بالنظام السوري!

وهذه الحكومة تشتري الكهرباء من دمشق لتنير "بيت الوسط" و"معراب" بكهرباء سوريا، ولكن أحد مكوناتها "يتكهرب" لدى سماعه بمطلب ترميم العلاقة مع سوريا.

لقد ذهب الوهم برئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع إلى حدّ الاعتقاد أنّه بذهاب لبنان إلى سوريا، سيشكّل رافعة إقليمية ودولية للنظام السوري، وأن استمرارية هذا النظام مرهونة بموقف "بعض لبنان"، أو حتى لبنان كله، بينما كان اللبنانيون يصلّون ليل نهار لإبعاد شبح ما يجري في سوريا عن لبنان. استنفر جعجع وزراء "القوات" في الجلسة الحكومية الأخيرة، وقالوا لا لتعويم النظام  السوري، فبدأ العدّ العكسي لانهيار النظام السوري الذي كان يستند في استمراريته على موقف جعجع!

في كل الأحوال، جعجع الذي عقد مؤتمراً صحفياً خصّ به سوريا "المفلسة" حيث "لا منّ ولا سلوى"، هو صاحب نظريات اقتصادية "ناجحة" بقدر "نجاح" نظرياته السياسية. ففي الوقت الذي تهرول فيه دول العالم نحو سوريا لترتيب أوراقها وعلاقاتها بهدف الحصول على حصة من ورشة إعادة إعمارها، يعتبر "قائد" معراب أنّنا بذهابنا إلى دمشق "نعطي الأسد جرعة دعم ثلاثية في الاقتصاد والسياسة والدبلوماسية"!

الملفت أنّه عندما "حزّت المحزوزية"، رفع رئيس الحكومة سعد الحريري بطاقة "النأي بالنفس" في وجه مكوّنات حكومته المتناقضة، تحت عنوان العيش بسلام مع كلّ الناس، وبدا كأنه سيُعيّن مبعوثاً للسلام في المنطقة، وتحديداً في سوريا.

من باب التذكير فقط، الأمم المتحدة لا تزال تحتفظ بكرسي سوريا لديها، و"أمم لبنان" التي تعيش في غربة سياسية لم يفقد بعضها الأمل بتغيير نظام الأسد بكاتم صوت سياسي.

اعترض وزراء "القوات اللبنانية" على تمويل زيارات زملاء لهم إلى سوريا، تجنباً لـ "نار" التطبيع التي "يلعب" بها وزراء "التيار الوطني الحرّ" و"حزب الله" و"حركة أمل" و"الحزب السوري القومي الاجتماعي"، فتدخل رئيس الحكومة لسحب النقاش  مكتفياً بـ"شطب" النقاش من المحضر تجنباً للملفات الخلافية، لكن زيارة الوزراء لم تُشطب، وقرر أن يُغمض عينيه ويصم أذنيه عن قرار الوزراء القيام بزيارة سوريا بصفتهم الشخصية والوزارية، ولكن دون أن يعني ذلك وجود مفاعيل رسمية لذلك.

طبعاً، لم يفهم أحد كيف يمكن الفصل في هذه المعادلة، سوى أنها مقاربة غريبة عجيبة، لا يفهمها عقل، ولا تحاكي أيّ منطق. فإذا بهذه الحكومة تشرّع الازدواجية وتعلن أنها مصابة بالانفصام في الشخصية.

لماذا سمح الحريري بزيارة وزراء حكومته لسوريا، و"شَكَلَ" الموضوع بعدم إدراج الزيارات في جدول الأعمال؟

ثمة من يقول همساً إن رئيس الحكومة سال لعابه عندما استدرجه أحد اللبنانيين بأنه قد تكون له فرصة في ورشة إعادة الإعمار، فربما وجد في سوريا بدلاً عن ضائع في السعودية. لكن الفرصة السورية سيف ذو حدين، تعطيه مالاً في يد وتأخذ منه شعبية ومصداقية في اليد الأخرى. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف سيوازن بين حصد الشعبية وحصد الأموال؟ وهل يستطيع الاستمرار في الإمساك بالعصا من نصفها؟

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.