"النأي بالنفس".. من "الخيانة العظمى" إلى "استعادة الثقة"!

شكّلت قضية قرار عدد من الوزراء التوجه إلى سوريا للمشاركة في معرض يقام في دمشق، علامة فارقة في الواقع السياسي اللبناني، فضلاً عن تناقضات كبيرة في كيفية مقاربة العلاقة اللبنانية ـ السورية على المستوى اللبناني، في ظل الانقسام بين منطق سياسي وبين موقف سياسي.

هل سوريا دولة عدوّة؟ وهل العلاقات الديبلوماسية بين لبنان وسوريا مقطوعة رسمياً؟ وهل يشارك لبنان في مقاطعة النظام في سوريا ومحاصرته؟

كان يفترض بأن تكون الأجوبة على هذه الأسئلة كافية للحكم على قضية جاءت من خارج السياق السياسي. لكن النقاش الذي سبق هذه القضية حول ملف النزوح السوري، وضرورة التفاوض مع الحكومة السورية حول عودة قسم من النازحين إلى مناطق آمنة في سوريا، كان قدّم مؤشّراً على أن طَرْقَ ملف العلاقة اللبنانية السورية سيتكرّر، وأن رفض وضعه على الطاولة لا يعني أنه لن يعود مجدداً بحكم الوقائع اليومية.

ربما يكون الضجيج الذي سبق هذه الزيارة لبعض الوزراء وشكلها وطبيعتها ومضمونها وطابعها، مفتعلاً ومكمّلاً للحملة التي بدأت مع طرح ملف النزوح السوري. فهؤلاء الوزراء وغيرهم، يزورون سوريا دورياً ومن دون ضجيج. إلا أن الارباك الذي أصاب الحكومة من جراء طرح هذا الملف بالصيغة التي طُرح فيها، أحرج رئيس الحكومة سعد الحريري الذي تعامل مع المسألة ببرودة لافتة، مكتفياً بالقفز فوق النقاش الحاصل وفوق الزيارة عبر شطب النقاش فيها من جلسة الحكومة، فلم يسجّل رفضاً للزيارة لأن ذلك قد يفجّر الحكومة، ولم يؤيّدها لأن ذلك يتناقض مع موقف الحريري السياسي على مدى 6 سنوات ونصف، اي منذ بداية الأحداث في سوريا.

تحصّن الرئيس الحريري بسياسة "النأي بالنفس" حيث أكد في مجلس الوزراء "أهمية النأي بالنفس كسياسة عامة لحكومة استعادة الثقة وعدم توريط لبنان في صراع المحاور"، علماً أن سياسة "النأي بالنفس" كانت بالنسبة للرئيس الحريري "خيانة عظمى" عندما أطلقها الرئيس نجيب ميقاتي مع بداية الأحداث في سوريا مطلع العام 2011.

ففي 13 شباط 2012، وفي مقابلة على شاشة "أخبار المستقبل"، قال الرئيس الحريري: "النظام السوري انتهى وسيسقط". ورأى أن "لبنان يضع نفسه اليوم بعين العاصفة، فعندما يسقط النظام السوري أين سيكون الشعب السوري من قرار لبنان اليوم النأي بالنفس؟".

وفي 7 أيار 2012، وقف الحريري أمام الجماهير ليعلن بالفم الملآن أنه ضد سياسة "النأي بالنفس" في الأزمة السورية. قال الحريري حرفياً "دماء الأبرياء لا تحتمل الكذب والاحتيال، والانتماء للعروبة والإيمان بالإنسان لا يحتمل الكذب والاحتيال. هذه الأمور لا تحتمل النأي بالنفس وتحويل دبلوماسية لبنان لحماية النظام السوري والتفرج على اعتقال المعارضين وتسليمهم إلى الجزار في دمشق".

ما الذي تغيّر؟ موقف الرئيس الحريري من سياسة "النأي بالنفس"، أم الرئيس الحريري نفسه؟

في مطلق الأحوال، لجأ رئيس الحكومة إلى اعتماد مبدأ "صمٌّ بكمٌ عميٌ" لقرار وزراء في حكومته زيارة سوريا من دون قرار الحكومة، فحفظ بذلك حكومته من السقوط، وأرجأ طرح ملف العلاقة مع سوريا إلى وقت لاحق لا يبدو أنه سيكون بعيداً.

إلا أن المفارقة جاءت من خارج الحكومة، عندما خرج رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع في مؤتمر صحافي ليقول كلاماً يوحي أنه المتحّكم بالحكومة وقرارها، حيث قال "نحن لن نقبل بأي شكل من الأشكال أي تعاط رسمي بين الحكومة اللبنانية والحكومة السورية"، محذّراً من "تصرفات تُهدد وجود الحكومة".

في مطلق الأحوال، تم تجاوز هذا المطب حكومياً، والحريري نجح في المحافظة على موقعه في رئاسة الحكومة، بغض النظر عن الأثمان التي يدفعها شخصياً أو يدفعه موقع رئاسة الحكومة من دوره وموقعه وصلاحياته.

الواضح أن الطرق على باب العلاقات اللبنانية السورية سيتجدّد قريباً في ملف آخر، وقد لا يستطيع الحريري الاستمرار في مقاومة هذا المسار، وبالتالي سيجد نفسه محكوماً بخيار من اثنين: إما التخلّي عن موقفه الرافض لهذا المسار، وإما التخلي عن رئاسة الحكومة.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.