ويبدو أن الشركات التي تروج وتقدم خدمات "الحسابات المزيفة"، التي يمكن وصفها بـ"مصانع المتابعين" لأنها تقوم ببيع الحسابات الحقيقية والمزيفة على السواء للمشاهير والمؤثرين، أصبحت محط الأنظار.

وكان التحقيق الذي نشرته "نيويورك تايمز" كشف أن المحققين التابعين لها أنشأوا عنوانا تجريبيا على موقع "تويتر" ودفعوا لشركة "ديفومي" المعنية بترويج وتقديم خدمات "حسابات" التواصل الاجتماعي، حوالي 225 دولار مقابل الحصول على 25 ألف متابع، وتوفير خدمات إعادة التغريدات وإضافة مؤشرات الإعجاب "الليكات".

وتبين للمحققين أن من بين هؤلاء المتابعين نحو 10000 حساب تبدو كحسابات حقيقية أو أصلية، ولديهم الصور والأسماء الكاملة وعناوين وغير ذلك، أما البقية، 15 ألف متابع، فيبدو أن حساباتهم وهمية أو زائفة، من دون صور وبأسماء مكونة من حروف وأرقام وأشباه كلمات بدلا من أسماء حقيقية.

وتواصل المحققون الصحفيون مع الممثلة ديردر لوفجوي، التي اشترت متابعين من ديفومي، وقالت إن كثيرين يقومون بشراء متابعين.

أما الأسباب فتتراوح بين الفضول في معرفة كيفية حدوث الأمر، أو الضغط بشأن أعداد المتابعين لهم أو لعملائهم وزبائنهم.

وعبر بعض زبائن "مصانع المتابعين" عن اعتقادهم بأن المتابعين وهميين أو شكوا بذلك، بل ذهب بعضهم مثل البريطاني الحائز على ميدالية أولمبية ذهبية جيمس كراكنيل، الذي اشترى 50 ألف متابع، إلى القول إن الأمر ينطوي على خديعة.

واشترى الممثل في مسلسل "أبناء الفوضى" (صنز أوف أناركي) ريان هيرست 750 ألف متابع من ديفومي، عامي 2016 و2017 مقابل 4000 دولار، وهو رقم يمثل ثلاثة أرباع أعدد المتابعين له حاليا.

المحلل الاقتصادي والمتخصص في التوقعات الاقتصادية جيسون شينكر اشترى ما لا يقل 260 ألف متابع، مشيرا إلى أن أحدا لن يأخذك على محمل الجد إن لم يكن لديك "وجود مهم" على موقع التواصل الاجتماعي.

وقال منسق الموسيقى في لاس فيغاس جاستن بلاو، الذي حاز على 50 ألف متابع مع آلاف التغريدات المعادة، في رد على ذلك إن أحد أعضاء فريقه الإداري قام بذلك من دون موافقته.

يشار إلى أن أكثر الفنانين هم أكثر من يشتري المتابعين، وتقدر نسبة الحسابات الزائفة والوهمية عندهم بحدود 30 في المئة، مقابل نسبة مماثلة من المتابعين غير الناشطين، ومن بينهم ليدي غاغا وجاستن بايبر وبرتني سبيرز وغيرهم.

تقرير "نيويورك تايمز"

واهتم تحقيق "نيويورك تايمز" بجزء بسيط من سوق النصب والتزييف تلك، وبالتحديد بـ3.5 مليون حساب مزيف يتم بيعها لأكثر من مشتر، ليصل العدد إلى 200 مليون متابع، وذلك على موقع "تويتر" فقط.

وكشفت سجلات شركة "ديفومي" أن المشترين من كافة الاتجاهات والمهن، فمنهم سياسيون ومشاهير فن ورياضة، وحتى عدد من المحللين والخبراء الذين يظهرون على التلفزيونات، وأيضا "نشطاء" يروجون لقضايا تكتسب زخما بملايين الحسابات المزيفة.

ولأن التقرير اهتم بالسوق الأميركية، فقد كشف أن مؤيدي الرئيس دونالد ترامب ومعارضيه على السواء زبائن عند شركات بيع المتابعين المزيفين.

لكن الأهم، هو ما كشفه تقرير الصحيفة (من سجلات شركة ديفومي وغيرها) من أن أغلب من يسمون "المؤثرون" Influentials على مواقع السوشيال ميديا، يشترون متابعين مزيفين بالملايين.

ويحصل هؤلاء على ثروات هائلة من شركات الدعاية والعلاقات العامة التي تستخدمهم لترويج منتجات وحملات، وتدفع لهم على كل تغريدة على "تويتر".

ومقابل بضع سنتات يدفعها هؤلاء "المؤثرون" مقابل آلاف المتابعين المزيفين والحسابات الآلية التي تعيد تغريد ما يبثون على صفحاتهم، يحصل هؤلاء على آلاف الدولارات من حملات الترويج.

وعلى سبيل المثال، يحصل المؤثر الذي لديه 100 ألف متابع على تويتر على ألفي دولار مقابل تغريدة ترويجية، بينما من لديه مليون متابع يحصل على 20 ألف دولار مقابل تغريدة ترويجية.

ولا يقتصر الأمر على المشاهير فقط، إذ نشرت صحيفة "صن" البريطانية مؤخرا قصة الأختين آرابيلا وجادين داهو (وهما مؤثرتان غير مشهورتين عمرهما أقل من 15 عاما)، تكسبان ما لايقل عن 100 ألف دولار سنويا من العمل مع شركات كبرى مثل "أمازون" و"ديزني" و"ناينتندو" وغيرها بنشر تغريدات عن منتجاتها.

وكشف تقرير "نيويورك تايمز" أن حسابيهما على تويتر اشتريا مئات آلاف المتابعين من شركات بيع الحسابات المزيفة، لكن عن طريق والدهما وأشخاص يعملون مع الأختين.

وحسب تقرير الصحيفة الأميركية، تعترف شركات التكنولوجيا بأن قدرتها على مواجهة الحسابات المزيفة ومجموعات الحسابات الآلية محدودة.

لكن الواقع أن الكل مستفيد، ولنأخذ "تويتر" على سبيل المثال، فالموقع لا يتطلب أي تدقيق في إنشاء حساب عليه.

وكما يستفيد المؤثرون والمشاهير من زيادة عدد المتابعين وإعادة نشر تغريداتهم، يستفيد "تويتر" كذلك من زيادة عدد الحسابات عليه.

وبما أن "تويتر" و"فيسبوك" و"غوغل" شركات مسجلة بالبورصة الآن، فإن قيمتها تعتمد على عدد المتابعين، حتى لو كان ثلثهم غير حقيقي كما أعلن "فيسبوك" مؤخرا.

ويقول "تويتر" إن نحو 15 بالمئة من المستخدمين الناشطين وعددهم 48 مليون مستخدم "حسابات مزيفة"، لكن بعض الخبراء يقولون إن النسبة أكبر بكثير من ذلك.

ولأن أصحاب الأعمال الآن باتوا يهتمون بنشاط الموظف المتقدم للحصول على عمل على وسائل التواصل الاجتماعي، كعامل مهم في توظيفه وتحديد أجره، يسعى كثيرون لزيادة عدد متابعيهم – خاصة على "تويتر" – بشراء المتابعين وإعادة التغريد الآلي.

ومرة أخرى تستمر الدائرة، يشتري المؤثرون والباحثون عن عمل والسياسيون والمشاهير والنشطاء المتابعين المزيفين، وتكسب شركات بيع المتابعين من تزوير الحسابات، وتستفيد مواقع الـ"سوشيال ميديا" من زيادة الأرقام، فترتفع قيمتها السوقية.