تجزئة المودعين ومنحهم ليرات بدلاً من الدولارات: تمخّض سلامة فأنجب فأراً

المصدر-الأخبار

الكاتب:محمد وهبة

 

أصدر مصرف لبنان تعميمين يجبران المودعين الذين تقلّ قيمة ودائعهم عن خمسة ملايين ليرة أو ثلاثة آلاف دولار، على سحبها خلال ثلاثة أشهر بالليرة اللبنانية بسعر الصرف السوقي الذي تُرك تحديده للمصارف واستنسابيتها المعتادة. المستفيد الأول من هذا القرار هو مصرف لبنان والمصارف والقوى السياسية، أما صغار المودعين فسيحصلون على ليرات لا قيمة لها إلا إذا اشتروا فيها دولارات نقدية ما يؤدي إلى خفض قيمة الليرة

من يحدّد سعر صرف الليرة مقابل الدولار؟ لم يكن هذا السؤال يخطر على بال أحد في السنوات الـ25 الماضية عندما كان رياض سلامة ”أسطورة“ تثبيت سعر الصرف. إلا أنه بعد إصدار سلامة أمس، التعميمين 148 و149 بات السؤال مطروحاً انطلاقاً من كونهما محاولة تحرير سعر الصرف مموّلة بالمال العام الذي سيصب قسم منه في ميزانيات المصارف ويخلق أثراً تضخمياً ويزيد الطلب على الدولارات النقدية… المستفيد الأول هو المصارف والقوى السياسية، فيما سيحصل صغار المودعين على أوراق نقدية لا قيمة لها فعلياً ولا مجال لإنفاقها أو الحفاظ على قيمتها الشرائية إلا عبر شراء الدولارات النقدية.

خطوات أو ردود فعل؟

تمخّض حاكم مصرف لبنان واللجنة الحكومية، فأنجبا فأرين على شكل تعميمين يستندان إلى ”استثنائية ما“ فيما هما يبدوان أنهما ردّات فعل؛ التعميم الأول بعنوان ”إجراءات استثنائية حول السحوبات النقدية من الحسابات الصغيرة لدى المصارف» وينفذ ضمن فترة ثلاثة أشهر من أجل إغلاق الحسابات التي لا تتجاوز قيمة ودائعها 5 ملايين ليرة أو 3000 دولار أميركي. هذه الحسابات التي تمثّل 61.6% من مجموع الحسابات فيها نحو 1441 مليار ليرة منها 36% بالدولار. التعميم سمح بتحويلها كلها إلى دولارات من مصرف لبنان بسعر 1514 ليرة، ثم يدفعها مصرف لبنان إلى المصارف بالليرة بسعر السوق بشرط أن تدفعها إلى الزبائن الراغبين في سحبها كلّها بعد حسم قيمة قروضهم للمصارف. كذلك أشار التعميم إلى أن الودائع بالدولار سيتم تحويلها إلى الليرة اللبنانية بالآلية نفسها، اي عبر مصرف لبنان، وبسعر السوق. أما التعميم الثاني فهو بعنوان ”شراء مصرف لبنان للعملات النقدية الأجنبية“ يمتدّ لستة أشهر ويخلق بموجبه «وحدة خاصة في مديرية العمليات النقدية في مصرف لبنان تتولى التداول بالعملات الأجنبية النقدية ولا سيما بالدولار الأميركي وفقاً لسعر السوق ويمكن لأي من مؤسسات الصرافة من الفئات «أ» الراغبة في التداول بالعملات بأن تتقدم من هذه الوحدة بطلب اشتراك على أن يعود للمصرف حق اختيار المؤسسات المشاركة». بالإضافة إلى ”منصة الكترونية تشمل كلاً من مصرف لبنان و المصارف ومؤسسات الصرافة ويتم من خلالها الإعلان عن أسعار التداول بالعملات الأجنبية سيّما بالدولار».

 

تفكيك التحرّكات المستقبلية

بمعزل عن أن هذين التعميمين يخلقان سوقاً إضافية لسعر الصرف تضاف إلى الأسواق القائمة حالياً: سعر الصرف المحدّد من مصرف لبنان بنحو 1507.5 ليرات وسطياً مقابل الدولار، سعر صرف السوق السوداء حيث وصل إلى مستوى 3 آلاف ليرة لكل دولار (ألغى تعميمان أمس السعر الذي سبق أن حدده مصرف لبنان للصرافين والذي حدد لهم سعر الشراء بإضافة 30 في المئة إلى السعر الرسمي)… كل هذه التعدّدية لم تقدّم إجابة واضحة على الآتي: بأي سعر سيحصل المودعون على ودائعهم في المصارف في ظل ما هو متداول عن احتمال اعتماد سعر صرف يتراوح بين 2000 ليرة و2500 ليرة مقابل الدولار؟ هل سيتم التعامل مع كل المودعين بنفس الطريقة؟ هل يمكن الطعن في قرار كهذا؟ من يستفيد من هذين القرارين؟ هل سيمارس مصرف لبنان لعبة ”السوق الحرّة“ التي لم تعد ”حرّة“ بعد تدخله، ليترك للمصارف والصرافين هامشاً واسعاً من الاستنسابية في تسعير الدولار والمضاربة على الليرة؟

المستفيدون من التعميمين هم المصارف ومصرف لبنان

 

في الواقع، يمكن الاستنتاج بأن أحد الأهداف ”تنفيس“ احتقان عدد كبير من المودعين من أجل ”تفكيك“ أي تحرّكات احتجاجية في الشارع، وخصوصاً أن هذه الفئة من المودعين كبيرة وقيمة ودائعها صغيرة وهي أكثر من شعر بأزمة الإفلاس ونتائج الإغلاق الناجم عن انتشار فيروس ”كورونا». وبحسب الوزير السابق زياد بارود فإن ”غالبية الحسابات التي تقلّ قيمة الودائع فيها عن الـ5 ملايين ليرة أو ثلاثة آلاف دولار، هي حسابات جارية لتوطين رواتب ومدفوعات كانت محجوزة في المصارف، ما يعني أن أحد أهداف هذه الخطوة سحب فتيل التفجير من صغار المودعين المستعدين للتحرّك في الشارع وتأجيج الحركة الاعتراضية».

لكن السؤال الأساسي يبقى: على ماذا ستحصل هذه الفئة من صغار المودعين؟

 

طلب إضافي على الدولار

في المبدأ، ليس هناك تعريف واضح أو معيار متبع لمن هم صغار المودعين. واختيار هذه الفئة، مرتبط بمرحلة أولى قد تليها مراحل ثانية. في المرحلة الحالية، سيحصل كل مودع لديه دولار واحد على ما يوازيه بالليرة اللبنانية بسعر السوق. والشرط الأول للحصول على هذه الليرات أن تحسم قيمة ”القروض المستحقة“ ما يعني تخفيف ميزانيات المصارف. وما تبقّى سيُدفع للمودع بسعر السوق وسط معطيات غير أكيدة عن نقاش حول سعر يتراوح بين 2000 ليرة و2500 ليرة، وربما أكثر. إذاً، ماذا سيفعل المودع بهذه الليرات؟ على الأغلب سيستخدمها من أجل شراء دولارات من الصرافين في السوق السوداء، أو سيوفي بها ديونه لـ«الدكنجي» أو لأقربائه أو لآخرين سيشترون بها دولارات من السوق السوداء. أصلاً لا مجال لإنفاق هذه الأموال اليوم إلا على الأكل والشرب والدواء وباقي الأمور الضرورية في ظل وباء ”كورونا». عملياً، سيكون لدى هذه الفئة من المودعين، أموال ورقية بالليرة اللبنانية لا قيمة لها إلا إذا تحوّلت إلى دولارات نقدية.

 

المستفيد الأول

في المقابل، مصرف لبنان لن يخسر دولاراته التي ستعود إليه (هي أصلاً دولارات المودعين) وسيحرّر قسماً من الاحتياطات الإلزامية بالدولار مقابل الوديعة المشطوبة بليرات يمكنه أن يطبع منها ما يشاء بلا حساب. والمصارف بدورها، ستشطب في ميزانياتها قسماً من الودائع بالدولار المموّلة بليرات خلقها مصرف لبنان (هذه الليرات هي مال عام). وسيتسنّى للمصارف أن تسترد قيمة القروض الممنوحة للزبائن أو المتراكمة عليها من دولارات المودعين التي تحوّلت ليرات مموّلة من مصرف لبنان.

للوهلة الأولى تبدو هذه المفاعيل مدروسة، إلا أن الواقع يشير إلى أنها مدروسة في إطار المصالح المتبادلة بين المصارف ومصرف لبنان والقوى السياسية. لكن الأثر الاقتصادي لدعم القوّة الشرائية في أوقات الركود التضخمي، أي في ظل تعطّل القدرات الإنتاجية يؤدي إلى زيادة التضخّم. التضخم الأبرز سيكون في سعر الصرف في السوق السوداء. وبارود يعتقد أن هذه الخطوة قد تكون مقدّمة لتحرير سعر الصرف.

كذلك، يشير إلى أن تجزئة المودعين بهذه الطريقة ”تخرق مبدأ المساواة بين المودعين. ربما يقال بأن هذه تدابير مرحلة وتستهدف صغار المودعين… لكنها في المطلق تنطوي على تمييز بين المودعين يفتح الباب أمام الطعن. فمن لديه 6 ملايين ليرة لن يستفيد!».

إذاً، انتقلت الاستنسابية في التعاطي مع المودعين، إلى استنسابية جبرية تتعلق بتسعير صرف الليرة. هل هذا الأمر يجعل من سلامة والحكومة أبطالاً؟ عملياً، تؤدي هذه القرارات إلى انخفاض قيمة الليرة من دون أي خطّة للتعاطي مع مسألة سعر الصرف، وبالتالي فإن هذا الانخفاض أو الإقرار به رسمياً بهذا الشكل يشكّل قيمة إضافية على مداخيل الناس عبر التضخّم اللاحق. كما أنه قد ينطوي على مشكلة إغلاق الحسابات. فبأي حقّ يُفرض على الناس إغلاق كل حساباتهم وهي في غالبيتها حسابات توطين رواتب أو مدفوعات؟

 

نموذج عملي لتعميم سلامة

إذا كان لديك 1000 دولار في مجموع حساباتك المصرفية سيحصل الآتي: مصرف لبنان سيشتريها من المصارف بسعر السوق الذي يُحدّد في منصة تداول يشترك فيها مصرف لبنان والمصارف والصرافون. والمصرف سيدفع لك الليرات بعد حسم قيمة قروضك المستحقّة.

وإذا كان لديك في مجموع حساباتك المصرفية 1.5 مليون ليرة سيحصل الآتي: مصرف لبنان سيبيع المصارف دولارات بسعر 1507.5 ليرات وسطياً، أي بقيمة 1000 دولار، ثم يتم تسعيرها مجدّداً بسعر السوق على سعر 2000 ليرة أو 2500 ليرة مثلاً، ويدفعها المصرف لك. وبعد تنفيذ هذه العملية التي يفترض أن تشمل كافة قيمة الحساب سيبيع المصرف الـ1000 دولار لمصرف لبنان بسعر السوق.

الزبون الذي سحب أمواله سيكون أمام خيارات محدودة: استهلاك هذه الأموال لسداد الديون أو شراء الدولارات النقدية من السوق السوداء للحفاظ على قيمتها من تضخّم الاسعار.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.