هذا ما ينتظرُ لبنان في صندوق النقد…

المصدر-الجمهورية

الكاتب: أنطوان فرح

مع بداية التواصل الخجول بين الحكومة وصندوق النقد الدولي، هناك مزيج من التوجّس والارتياح على المستوى الشعبي، في انتظار الاتجاه الذي سيسلكه هذا التواصل، والى أين يمكن أن يؤدّي. هل هو بداية انفراج، أم مجرد سراب؟

يكثر الحديث في هذه الحقبة عن الشروط القاسية التي قد يفرضها صندوق النقد الدولي بالتعاون مع البنك الدولي، في حال قرّرت الحكومة اللبنانية طلب خطة إنقاذ من هاتين المؤسستين الدوليتين التابعتين للأمم المتحدة. لكن، في الموازاة، ليسوا كثراً من يتحدثون عن طبيعة الخطة التي قد يتمّ وضعها، ماذا تشمل وكيف تعمل وما هي الأسس التي تُبنى عليها. كذلك، هناك من يتحدث عن احتمال تعرّض السيادة اللبنانية للخرق من قِبل هذه المؤسسات الدولية من خلال فرض شروط يُفترض أنّها تدخل ضمن مفهوم السيادة التي ينبغي أن تبقى فوق أي مسٍ بها.

لا بدّ للمتابعين أن يعرفوا أنّ مفهوم المساعدة التي يقدّمها صندوق النقد أو البنك الدولي تغيّرت عبر السنين. وهناك مراحل كثيرة مرّت بها عمليات إنقاذ الدول المفلسة والفقيرة، تبدّلت في خلالها، الأساليب المُعتمدة من قِبل هاتين المؤسستين في دعم الدول. وما هو إيجابي في هذا التطوّر، يرتبط بأنسنة هذه المساعدات. ومنذ العام 1999 أدخل البنك الدولي في مفهوم عمله، وبمبادرة من رئيسه في ذلك الحين جيمس وولفنسون، ما يُعرف بـ«استراتيجية الحد من الفقر» (Poverty Reduction Strategy Paper).

هذه الإستراتيجية تقضي بإلزام الدول التي تحصل على حزمة مساعدات إنقاذية من صندوق النقد ومن البنك الدولي، بتوقيع خطة لمساعدة الطبقة الفقيرة في المجتمع في موازاة دعم الاقتصاد. وتطبيق هذه الإستراتيجية أصبح جزءاً من الشروط التي على أساسها يمكن استكمال دعم الدول. وقد بدأت دول عدة في تطبيق هذه الإستراتيجة، التي أثبتت حتى الآن جدواها في تخفيف الضغط على الطبقات الدنيا، في فترات تنفيذ برامج إنقاذية غالباً ما تكون قاسية لجهة ما تطلبه من تضحيات يقدّمها المواطنون.

لكن الاهتمام بحماية الطبقات الفقيرة، لا ينفي وجود شروط قاسية ينبغي الالتزام بها للحصول على حزمة مساعدات دولية.

على المستوى الاقتصادي، لا توجد وصفات جامدة، كما يدّعي المعترضون، لكن هناك أساليب مُجرّبة ومبادئ عامة يتمّ اعتمادهما. ولأنّ صندوق النقد، مثل أي مُقرض في العالم، يسعى إلى ضمان استرداد أمواله، فإنّه يركّز على هدف خفض العجز في الموازنة، من خلال إجراءات مضمونة النتائج في توقيتها. لذلك يتمّ التركيز على تطبيق مبدأ رفع الدعم عن كل السلع، لتخفيف الضغط عن الموازنة.

ومن هنا تنطلق نظرية تحرير سعر صرف العملات، على اعتبار أنّ سعر أي عملة ينبغي أن يعكس وضع الاقتصاد على حقيقته. وفي حالة تثبيت سعر الصرف اصطناعياً، فهذا يعني أنّ الدولة، عبر المصرف المركزي، مُضطرة إلى دعم العملة عندما يتراجع وضع الاقتصاد. وهكذا تصبح العملة بسعرها الاصطناعي أقوى من الاقتصاد، ويؤدي هذا الخلل، إلى مشاكل متنوعة، لا تخدم فكرة خفض العجز في الموازنة العامة.

إلى ذلك، يسعى صندوق النقد إلى تأمين موارد مضمونة للخزينة، ومن هنا فكرة فرض رسم على البنزين، رفع تعرفة الكهرباء، خفض حجم أو رواتب القطاع العام… كل هذه الشروط، لا تعني أنّ الصندوق لا يشترط إصلاحات بنيوية، مثل خفض منسوب الفساد والهدر على كل المستويات، ومن ضمنها وقف التهرّب الضريبي، منع التهريب، القضاء على كل أشكال الاقتصاد الرديف، تنظيم الإنفاق خصوصاً لجهة المشتريات الحكومية والمناقصات والتلزيمات… كل هذه الإصلاحات تقع ضمن الشروط، لكن الصندوق، ومن خلال تجاربه مع الدول المنهارة، وحيث نِسب الفساد تكون مرتفعة، ومرتبطة بالمنظومة السياسية، يُدرك أنه لا يمكن الرهان على هذه الإصلاحات لإنقاذ الموازنة، لذلك يصرّ على إجراءات قد تكون قاسية في حق المواطنين، لكنها مضمونة النتائج الفورية. في المقابل، تأتي الإصلاحات، وفي حال تنفيذها بجدية، لتساعد لاحقاً في دعم إضافي للموازنة، ويصبح في الإمكان التخلّي عن بعض الإجراءات اللاشعبية التي أدخلتها خطة الانقاذ.

وهنا ينبغي أن يكون معروفاً أنّ خطة الإنقاذ، والتي قد تمتد على 10 سنوات، ليست بلوكاً واحداً. إنّها مجموعة بلوكات، كل سنتين أو ثلاث تنتهي حزمة، ليبدأ تنفيذ حزمة أخرى. وفي العادة تكون الحزمة الأولى هي الأقسى، لأنّها تشمل إجراءات موجعة للناس. في حين أنّ الحِزم الأخرى، قد تشهد البدء في إلغاء أو تخفيف هذه الإجراءات، في حال تمّ الالتزام بالإصلاحات التي تبدأ في إعطاء ثمارها.

وفي هذا الإطار، تندرج خطة البنك الدولي (PRSP) لمساعدة الطبقة الفقيرة في هذه المرحلة في الدول التي تطلب خطط إنقاذ مالي.

هل يستطيع لبنان أن يخوض هذه التجربة القاسية؟

عندما تواجه أي دولة أزمة مالية وتصل إلى مرحلة العجز عن الدفع، وتطلب من صندوق النقد خطة إنقاذ، يتمّ اجراء تقييم لوضع هذه الدولة لتصنيفها ضمن خانتين:

أولاً- أزمة سيولة، تحتاج إلى وقت إضافي لتتمكّن من تسديد ديونها.

ثانياً- أزمة تعثّر، لا تستطيع دفع ديونها لا الآن، ولا في المستقبل.

في الحالة الأولى، (illiquidity) يُصار إلى وضع خطة لإعادة جدولة الدين على فترات أطول.

في الحالة الثانية، (Insolvency) تتجّه الأمور نحو خطة لخفض حجم الدين، عبر إعادة الهيكلة وإعادة الجدولة.

في الحالة اللبنانية، تبدو المشكلة معقّدة وذات طابع خاص. لأنّ ديون لبنان، في القسم الأكبر منها، تحملها المصارف ومصرف لبنان، وبالتالي، ينبغي البحث عن خطة تراعي هذا الواقع. وهذا الأمر مُتاح طبعاً، وقد يستند إلى فكرة شراء قسم من هذه السندات من السوق الثانوية بواسطة قرض من صندوق النقد…

الخطط الإنقاذية متنوعة، والقاسم المشترك بينها أنّها توصلُ إلى برّ الأمان إذا طُبقّت والتزمت بها الحكومات، ولا تؤدي سوى إلى مزيد من التعقيدات والأزمات إذا جرى التشاطُّر، ولم يتمّ تنفيذ ما هو مرسوم بجدّية ودقةّ وصدق. وعلى الحكومة اللبنانية أن تختار، أي طريق تريد أن تسلك في هذا المضمار.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.