مخاطر تحرير سعر الليرة توازي كارثة حرب إسرائيلية

المصدر-المدن

الكاتب:عزة الحاج حسن

إثر الحديث في كواليس السياسيين والمصرفيين وحتى الاقتصاديين، مؤخراً، عن تحرير الليرة اللبنانية، كواحد من العلاجات الموجعة للأزمة المالية والنقدية القائمة في البلد.. وفي حين لم يجرؤ أحد حتى اللحظة، على مصارحة المواطنين بحجم الأزمة، وتفاصيل أسبابها والآليات المحتملة للخروج منها، فكيف بهم يجرؤون على مصارحة الناس بما يتداولون؟ وأين يمكن أن يودي بهم تحرير سعر الصرف؟ وما المقصود بتحرير العملة؟ وهل اقتصاد لبنان مهيأ لتحرير عملته الوطنية؟

ما المقصود بتحرير الليرة؟

المقصود بتحرير الليرة أو تعويمها هو ان تُترك العملة تحت سلطة العرض والطلب مقابل الدولار في السوق، بمعنى ان تمتنع الدولة (ممثلة بمصرف لبنان) عن التدخل في تحديد سعر الصرف بشكل مباشر، ولا تُعيق عملية تحرير العملة تقلّب أسعارها. إذ تتغيّر وفق تقلّبات العرض والطلب مقابل الدولار.

ولتحرير العملة أكثر من شكل فإما تحرير كامل، ويقوم على ترك تحديد سعر الصرف للسوق وآلية العرض والطلب، بشكل كامل، وتمتنع بموجبه الدولة عن أي تدخل مباشر أو غير مباشر.. أو تحرير موجّه ويقوم على ترك تحديد سعر الصرف للسوق وآلية العرض والطلب، مع تدخل الدولة (عبر المصرف المركزي) حسب الحاجة، بهدف توجيه سعر الصرف.

سقوط الليرة

وفي حين يغيب موضوع تحرير الليرة عن خيارات الحلول في الأوساط العامة، أقلّه بصورة علنية، يَحضر في لقاءات مصرفيين وبين جدران مصرف لبنان، وفق مصدر لـ"المدن"، وهو ما اعتبره الخبير الاقتصادي الدكتور لويس حبيقة "سقوط تام لليرة اللبنانية". وقد أعرب في حديث إلى "المدن" عن رفضه القاطع تحرير سعر الصرف حالياً "فالتحرير اليوم يعني سقوط العملة وإفقار كافة العاملين في القطاع العام، بمن فيهم الأجهزة الأمنية، وغالبية العاملين بالقطاع الخاص".

حبيقة من مؤيدي تحرير سعر صرف العملة من حيث المبدأ. لكن ليس في الوقت الراهن. فتحرير الليرة حالياً لا يختلف، وفق حبيقة، عن  حال مريض يعاني ألماً في رأسه أقدم على الإنتحار كعلاج بدلاً من الدواء.

لتحرير الليرة

وعلى الرغم من أن تحرير الليرة من شأنه أن يُلحق حتماً أضراراً بالغة بالطبقتين الوسطى والفقيرة، ويطيح بالقسم الأكبر من رواتب وتعويضات وإدخارات المواطنين بالليرة اللبنانية، إلا أن رئيس المجلس الاقتصادي الإجتماعي، شارل عربيد، لم يتردّد في الدعوة إلى تحرير الليرة اللبنانية. فباعتقاده، لا يمكن استعادة توحيد سعر صرف العملة إلا عن طريق تحريرها، بالتوازي مع تصحيح تدريجي للأجور، لتدارك مخاطر انهيار القدرة الشرائية. ووفق حديث عربيد لـ"المدن"، يجب كسر حلقة الانكماش القاسي الذي يعاني منه السوق اليوم. ولا بد من أن تترافق عملية تحرير سعر الصرف مع إجراءات عديدة. بمعنى، أن الحل يجب أن يتم على أكثر من جبهة، تفادياً لاستمرار الانحدار الحاصل والانكماش القاتل، وتراجع القدرة الشرائية، نتيجة عدم استقرار سوق الصرف.

محاذير الاقتصاد المدولر

قبل الحديث عن صحة تحرير الليرة من عدمها، يجب بداية تعريف اقتصاد لبنان. وهو اقتصاد مدولر. ما يعني أن للبنان خصوصية يجب أخذها بالاعتبار. ووفق الباحثة في الشأن الإقتصادي، ليال منصور إشراقية، فإن أي بلد ذات عملة مثبتة مقابل الدولار يجب أن يملك احتياطاً كافياً من الدولار، يتيح له المحافظة على العملة المحلية، بمعنى أن توفر كميات كافية من الدولارات تسهل حماية الليرة والعكس بالعكس صحيح. أي أن تراجع حجم احتياط الدولار أو ضياعه أو تسريبه أو تهريبه، أياً تكن الحالة، فذلك سيدفع الليرة إلى تراجع قيمتها.

والحال أن لبنان يعاني من أكثر من أزمة، تشكّل سبباً مانعاً لتحرير الليرة. أولها، أن حجم الاستيراد يفوق خمسة أضعاف التصدير. السبب الآخر وفق إشراقية، هو الفشل في المحافظة على الاحتياطات الأجنبية، بسبب الارتفاع الهائل بالدين العام، الذي وصل إلى 150 في المئة من الناتج المحلي. ونصف الدين معنون بالعملات الأجنبية. وهو ما يستنزف الاحتياط بالعملة الصعبة. أضف إلى أن لبنان لا يملك أي مصدر للدولارات الجديدة، بعد تراجع السياحة والاستثمارات الأجنبية وانخفاض إيرادات المغتربين، العاجزة أصلاً عن تعويض خسارة الاحتياطي المركزي للدولارات، وتمويل الاستيراد وتغطية حجم الدولرة.

والسبب الأساسي الذي يمنع اللجوء إلى تحرير العملة هو أن اقتصادنا مدولر، بنسبة تقارب 75 في المئة. ولا يمكن إخضاع العملة الوطنية لآلية العرض والطلب. ففي ظل هذه النسبة العالية من الدولرة (75 في المئة)، سينعدم الطلب على الليرة ويرتفع عرضها، في مقابل ارتفاع الطلب على الدولار بنحو ثلاثة أضعاف الليرة. وبالتالي، سيرتفع سعر الدولار إلى 3 أضعاف سعر الليرة الحالي بالحد الأدنى، أي إلى ما يزيد عن 4500 ليرة. وتسأل إشراقية: كيف يمكن إخضاع عملة وطنية للعرض والطلب، في ظل انخفاض الثقة فيها إلى نحو 25 في المئة، وارتفاع الدولرة إلى 73 في المئة، وفي ظل كمّ الفساد الهائل الذي يعبث بالمؤسسات والبلد عموماً.

مخاطر "نفاذ الدولار"

تنطلق خصوصية لبنان كبلد ذي اقتصاد مدولر كون كل 1 في المئة من الدولرة تستنزف، بحسب إشراقية، 3.7 في المئة من الاحتياط الأجنبي. بمعنى أن كل دولار واحد يتم استهلاكه في البلد يجب أن يقابله 3.7 دولارات في الاحتياطي المركزي. وما حصل، أنه بتراجع احتياط الدولار تراجعت قيمة الليرة.

هناك العديد من الدول لجأت إلى تحرير عملتها مع فقدان احتياطاتها الأجنبية، كمصر على سبيل المثال. ولكن بلداً مدولراً كلبنان لا يمكنه تحرير عملته، وإلا فستقع الكارثة على غرار ما حصل في الأرجنتين على سبيل المثال، التي واجهت دماراً اقتصادياً، لأنها بلد ذات اقتصاد مدولر واعتمدت خيار تحرير العملة.

بالوضع الراهن، إذا أردنا تحرير الليرة، في ظل نسبة دولرة تقارب 75 في المئة، لا بد أن يرتفع الدولار لما يفوق الـ4500 أو 5000 ليرة. وتجزم إشراقية بأنه عندما يخسر مصرف لبنان احتياط الدولار، تكون النتيجة نفسها كمواجهة الحرب مع إسرائيل: "فالقطاع المصرفي والاقتصاد اللبناني عموماً اليوم في حال حرب شرسة".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.