موسم الحقد الأسود

زرع محصوله بالقليل الذي عنده، على الرغم من ان ذلك القليل.. قليل جداً.
في البيت ترك ابنتين و زوجة. بنات في عمر الورود لم يكن ذنبهن انهن ولدن في زمن الحصار.
أُجبرتا على التوقّف عن التعليم.. وها هما تعتنيان بأم كُسر فؤادها يوم فقدت ولدها.
رصاصة واحدة اخترقت رأسه ما بين الحاجبين، فأُردي جثة لا حياة فيها.

هن يواسين أنفسهن بأنه مات سريعا. مات شهيدا كما يحلو له.. وأن تلك الرصاصة الخارجة من بندقية الحقد الأسود لم تجلب له العذاب.
مقولات يرددنها بالرغم من معرفتهن بأنها ترهات.
"قبل رحيله، كان فتى مناضلاً شجاعاً"، تقول ام يوسف لكل من يسمع، "كان يرمي الحجارة على الكيان المحتل، لأن ذلك كان يُشعره بعدم الرضوخ، ولأن ذلك كان يخلق فيه حس المقاومة".

ذلك الحس الضروري الذي يؤكد أن الحقد لن ينال من عزيمته ولن يستطيع إزهاق روحه.

يوم أتم العاشرة، تسلم بندقية "بلاستيكية" من احد الأقارب. شكره ووجهه متجهّم لأنه لا يستطيع اخفاء انزعاجه. وعندما سئل "ما بك يا يوسف"، أجاب "هيدي لعبة بلاستيك ما بتقتل يلي عم يقتلونا ببارودة بتقوّص رصاص؟."
بقيت أم يوسف تردد "كبر قبل عمره.. ورحل قبل أوانه"..  ويغص الكلام في حلقها وتسكت.
ذلك كله لم يحبط عزيمة الأب، هو فلاح فقير، لكنه معيل عائلة و أب شهيد.

زرع زرعه وانتظر بفارغ الصبر حلول ذلك الموسم اللعين.
حلّ الموسم، وأثمر الزرع، وفوجىء يوم رآه ينبت خلف الأسلاك الشائكة في حدود ذلك الكيان السارق.
هو نفسه ذلك الكيان الذي سرق ابنه حبيبه، و سرق أرضه، يتجرأ الآن على سرقة محصوله.
أكانت لحظة غضب أم عزيمة؟ هو لا يدري، وانما كل ما يدركه ارتمائه على الاسلاك الشائكة و قصها بيده ومن ثمة قطف زرعه.
لقد فعلها نعم، عاد ويداه محملتان بالنبات الذي غدر.. وجسده مثقل بست ثقوب من رصاص الحقد الأسود…
أعلن الكيان في صباح اليوم التالي عن إرداء "متسلل".

ميان مساعد
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.