بين قرار المجلس الدّستوري.. وشعبيّة "المستقبل" في طرابلس

ريمون ميشال هنود /

بتاريخ 24 شباط 2019، وصف مرشّح "جمعيّة المشاريع الخيريّة الإسلاميّة" على "لائحة الكرامة" في طرابلس الدكتور طه ناجي قرار المجلس الدّستوري، بالسرقة الموصوفة، مشيرًا إلى أنّ المجلس ركّز على الفارق البسيط بالكسر فيما كان هو قد تقدّم بعدّة طعون بعشرين صندوق، يشكّ بنتيجتها، ولفت ناجي إلى أنّ المفارقة كانت بأنّ المجلس، أقرّ بصحّة هذه الطّعون في قراره عقب الاطلاع على محاضر الأقلام المطعون بها، ولكنّه ذهب إلى الاعتبار أنّه من المستحيل التّعويل على هذا الفارق بالكسر لانجاحه، في حين تبيّن ـ والكلام لناجي ـ وجود فوارق بين صوت وخمسة أصوات في كلّ صندوق لصالحه كما قال، ما يعني أنّ الفارق يمسي 40 صوتًا عوضًا عن 7 أصوات بحسب ادّعاء المجلس الدّستوري. ولا يختلف اثنان على أنّ تيّار "المستقبل" كان سيكون المتضرّر الأكبر من وجود نائبين عن طرابلس في الندوة النيابيّة، يؤيّدان شرعيّة سلاح "حزب الله". وهذا الوجود كان، لو حصل، الأوّل من نوعه منذ اغتيال الرّئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005. لكن الطّعن الّذي أتى من المجلس الدّستوري في شباط 2019، لم يتِح لناجي انتزاع المقعد النيابي من مرشحة تيار "المستقبل" الدكتورة ديما جمالي، نظرًا لاعتباره أن الفارق لم يتخطى السبعة أصوات.

لكن إزاء هذا التغيير السياسي في مزاج نسبة لم يعد يستهان بها من أبناء المدينة، أجيز لنفسي انطلاقًا من واقع بات ملموسًا في الحياة السياسية فيها، أن أفنّد أسباب تراجع شعبيّة "التيار الأزرق" في عاصمة الشمال.

لقد تبيّن بشكل واضح وجليّ، أن قسمًا بارزًا من أبناء طرابلس، قام بنقدٍ ذاتيّ اقتنع من خلاله بأنّ توجّس تيار "المستقبل" منذ استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 من امكانية حكم ولاية الفقيه لوطن الأرز العربي، لم يكن مصيبًا وكان في غير محلّه، لأنّ المملكة العربية السعودية داعمة ذلك التيار سبق لها ان حاربت مشروع الوحدة العربية الذي قاده الرئيس جمال عبد الناصر ضدّ المشروع الأميركي المعدّ ضدّ المنطقة، علمًا أنّ الرّئيس جمال عبد النّاصر هو عربي مصري ينتمي الى الطائفة السنية وليس شيعيًا من ايران، وقد أدرك ذلك القسم البارز من ابناء المدينة ان المقاومة بالنسبة لواشنطن والمملكة لا يمكن أن يكون أمرًا بالمعروف بل منكرًا يجب النهي عنه نتيجة العلاقة التاريخية الحميمة بين الذهب الأسود والدولار، سواءً أكان دين المقاوم سنيًا أو شيعيًا أو مسيحيًا أو سواءً أكان ماركسيًا أو بوذيًا أو هندوسيًا. وذلك الشارع يعلم كل العلم بأن واشنطن سبق لها أن قادت في العام 1953 انقلابًا عسكريًا بالتعاون مع بريطانيا في ايران أطاحت من خلاله بحكومة محمد مصدّق التي لم تنجبها أية ثورة دينية، لأنّ الرّجل كان يقاتل لاسترداد حقوق شعبه في البترول بعدما أمّم حق استخراجه وبيعه، وهذا ما أثار جنون المصالح الأميركية حينها. كما أن أهل طرابلس عاد قسمٌ منهم وتمرّد على تناسيه عندما استذكر بأن كل من سبق له أن قاوم سياسات أميركا اتّهمته واشنطن بالإرهاب، وهي التي كانت قد اعتبرت قبل بزوغ فجر "حزب الله" أن وديع حداد ولولا عبود وسناء محيدلي وخالد علوان وسمير القنطار وسهى بشارة وجورج ابراهيم عبدالله وكمال عدوان وكمال ناصر ودلال المغربي وغيرهم… إرهابيين وذنبهم الوحيد أنّهم كانوا يقاومون مخطّطاتها التوسعيّة.

وعندما رأى قسمٌ هام من أبناء الفيحاء بأن شخصيات "اللقاء التشاوري" السنّية تؤيد سلاح "حزب الله"، تأكّد بأن إخافته من مشروع ولاية الفقيه كان من قبيل زرع الرعب في النفوس لتحييد الشارع السني اللبناني عن المقاومة "الممنوعة بالنسبة لواشنطن والمملكة العربية السعودية". وبدوري أسأل، فرضًا لو سلَّم "حزب الله" سلاحه الى الجيش الوطني اللبناني، وأنشأ الجيش لواءً للمقاومة داخل صفوفه، ألن يُمسي مع قيادته وقائده العام وقائده الأعلى في نظر واشنطن جيشًا ارهابيًّا على غرار اعتبارها الجيش الكوري الشمالي وسائر الجيوش التي تقاوم السياسة الأميركيّة ومشاريعها التوسعيّة جيوشًا ارهابيّة؟ بالطبع نعم.

لقد بات قسمٌ هامٌ من أبناء طرابلس غير مقتنع بأن "حزب الله" هو من نفذ جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لأنّ جميع الشهداء الذين سقطوا عقب اغتياله كانوا من شخصيات سياسيّة تنتمي الى فريق سياسي واحد مناوئ لفريق الثامن من آذار، وهذا يعني أن تلك الإغتيالات كانت تهدف الى اتهام الفريق الأخر بارتكابها، لإضرام نيران فتنةٍ سنيّةٍ شيعيّةٍ في لبنان، ولإرغام الجيش السوري على الإنسحاب من أراضيه. قد أكّدت تلك الفرضية مجلة "انتيلجنس ريفيو" الأميركيّة في عددها الصادر بتاريخ 27/2/2005 عندما قالت بأنّ اغتيال الحريري في بيروت كان عملًا خططت له عصبة المحافظين الجدد التي تدير البيت الأبيض، عندما وضعت مسودة وثيقة اسمها "وثيقة التغيير الجذري" (Clean Break) في العام 1996، وقد اشرف على وضعها شخصيًّا آنذاك ديك تشيني، بالتعاون مع ريتشارد بيرل ودوغ فيت، وديفيد وارمسر، ويدعو مضمونها الى القضاء بشكلٍ تام على كل ما أقرّته إتفاقية أوسلو عام 1993، بحيث يتم عقب ذلك، استهداف العراق أولًا وسوريا ثانيًا ثم لبنان ثالثًا، فـ"حزب الله" وإيران في المرحلة الأخيرة، بهجمات عسكريّة، تمهيدًا لبناء شرق أوسط جديد، تكون إسرائيل هي المهيمن الأوحد عليه لنهب ثروات البلدان العربية الممانعة لواشنطن ولتحصين السيطرة على نفط دول الخليج. علمًا أنّ مندرجات وصية وزير خارجية أميركا الأسبق جون فوستر دالاس التي دوّنها عام 1969 تنصّ إحدى مندرجاتها على ضرورة إضرام نيران الفتنة بين أهل السنة وأهل الشيعة بهدف تقسيم الأقطار العربية الى دويلات طائفية متناحرة كي يسهل على الولايات المتحدة السيطرة النهائية على النفط العربي. وأشير الى أن الرئيس الأسبق جيمي كارتر كان قد قال "لو أن الله أزاح النفط العربي قليلًا عن المنطقة العربية لكانت مهمتنا أسهل بكثير"، كما أن بوش الإبن وعندما سأله أحد ضبّاطه عشية غزو العراق "سيّدي لم نذهب الى العراق ليُقتل جنودنا وضبّاطنا فداءً لشيوخ النفط العرب؟". فأجابه جورج دبليو بوش "نحن نذهب الى العراق لجلب النفط الى شيوخ الكونغرس". وبتاريخ 10 نيسان 2019 وتصديقًا منّي على نوايا أميركا في نهب النفط العربي، كشف تقرير لوكالة "بلومبرغ" عن تراجع حصّة الدول المنتجة في الخليج العربي بسوق النفط العالمية لصالح الولايات المتحدة التي يواصل إنتاجها من الذهب الأسود الإرتفاع من دون أن يُبدي إشارة تباطؤ. وذكرت "بلومبرغ" في التقرير أن أعضاء منظمة أوبك من دول الخليج، وفي مقدّمتهم الكويت والسعودية والإمارات، تحمّلوا الجزء الأكبر من تعهّدات خفض الإنتاج التي دخلت حيّز التنفيذ مطلع العام الحالي. أمّا بعض العواصم العربية المستمرّة منذ إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بالتبشير بإمكانية كبرى لولادة سلام عادل وشامل مع الكيان الصهيوني على أساس ما يُسمّى بحل الدولتين في حال عمد "حزب الله" الى نزع سلاحه كما يحاول ذلك الكيان إيهامها، فهي مدعوة الى الإستذكار بأن أبناء طرابلس الذين كانوا يصوّتون بأكثريتهم في الإنتخابات البرلمانية السابقة للّائحة التي كان يدعمها دولة الرئيس الشهيد رشيد كرامي الذي قدّم دماءه للبنان، من أجل منع مشاريع الكنتنة والفدرلة من إبصار النور في ربوعه، والهادفة حينها الى توسيع الشرخ الطائفي والمذهبي بين أبنائه تمهيدًا لتكريسه نهائيًا، هم على درجة عالية من الثقافة، لأن طرابلس بالأساس هي منارة علم ونور ومعرفة وثقافة، ويعلمون كلّ العلم بأن الكيان الصهيوني يرفض ولادة أي سلامٍ عادلٍ وشامل لسببٍ وحيد ألا وهو أن الدعوات لإغتصاب فلسطين، بلاد المسيح، كانت قد صدرت قبل مئات الأعوام من تاريخ نكبتها في العام 1948، لأن تلك الدعوات كانت تعلم بأن تلك البلاد هي بوابة العبور الأولى نحو ولوج عواصم الإستعمار رحاب الدول العربية لنهب ثرواتها ومقدّراتها الوفيرة، حتى قبل مرحلة التنقيب عن النفط واكتشافه. ويعلمون أنه في العام 1621 نشر المستشار القانوني لملك إنكلترا خطّته الشهيرة حول الإستعادة الكبرى للعالم، والتي تدعو الى حملة لاسترجاع "إمبراطورية الأمّة اليهودية"، أي فلسطين. وهم يعلمون أيضًا أنه في العام 1649، كان العالمان اللاهوتيان جوانا وألنز كارترايت، قد وجّها نداءً الى الحكومة الإنكليزية يطالب بأن يكون للشعب الإنكليزي شرف نقل اليهود الى الأرض التي وعد الله بها أجدادهم إبراهيم وإسحق ويعقوب ومنحهم إياها إرثًا أبديًا!

وحريٌّ بتلك العواصم العربية المتفائلة بإمكانية ولادة سلام عادل وشامل مع الكيان الصهيوني في حال سلّم حزب الله سلاحه كما تزعم، أن لا تعمد الى التناسي بأن "حزب الله" لم يكن على ما هو عليه اليوم من قوّة عسكرية ضاربة تشكّل توازنًا للرعب مع الكيان الصهيوني. وللتذكير فقط، فإن قسمًا هامًا من أبناء طرابلس يعلمون بأن وديعة رابين المعدّة للسلام بين الكيان الصهيوني وسوريا، اشترطت لإعادة القسم المحتلّ من الجولان الى سوريا، على الرئيس حافظ الأسد، تقسيم سوريا الى أربع مناطق نفوذ: واحدة منزوعة السلاح وخالية من الجنود، وثانية فيها عدد محدود من الجنود، وثالثة يكون عدد الجنود فيها غير محدود وتمتدّ عبر مسافةٍ طويلة في عمق الأرض السورية، ورابعة عدد الجنود فيها غير محدود أيضًا. كما اشترطت الوثيقة السماح للإسرائيليّين القاطنين في الجولان المحتلّ بالبقاء في ظلّ السيادة السورية، أي أن يحصلوا في ما بعد على الجنسية السورية! فما كان من الرئيس الأسد إلا أن سخر من تلك الوثيقة ومن كاتبها، وقال لوزير خارخية أميركا الأسبق ورن كريستوفر، "إنّ تقسيم سوريا الى أربع مناطق كما تطالب الوديعة، يعني أنهم يريدون إعطاءنا الجولان في مقابل إحتلال سوريا بأكملها"، ثمّ عاد وقال "بالنسبة للإسرائيليين القاطنين في الجولان المحتل، إنّ مطالبتهم بإبقاء مواطنيهم ضمن السيادة السورية يعني أنهم يودّون جعلهم جواسيسًا علينا، وهذا يجعلني أجزم بأن نيّة إسرائيل في السلام ليست سوى طبخة بحص". وهذه المعلومات واردة في كتاب بثينة شعبان "عشرة أعوام مع حافظ الأسد 1990 – 2000". من هنا أسأل تلك العواصم المتفائلة: أبهذه الشروط التعجيزية يُبنى برأيكم سلامٌ عادلٌ وشاملٌ؟!

لهذه الأسباب التي ذكرتها، حمل قسمٌ هامٌ من أبناء طرابلس مشاعل التغيير، واقترعوا للائحة الكرامة المؤيدة لسلاح المقاومة. حازت لائحة الكرامة على 31% من أصوات الناخبين الطرابلسيين الذين صوّتوا لخمس لوائح في المدينة تنافست على الفوز بثمانية مقاعد". مع العلم أن راية التغيير خفقت في سماء عاصمة الشمال أيضًا لأن التيار الأزرق الذي وعد فقراء طرابلس بجلب البحبوحة اليهم في العام 1992 أحجم ومنذ لحظة إطلاق وعوده، عن بناء المنتجعات السياحية والفنادق والمنتجعات التجارية والأسواق الشعبية لجلب فرص عمل الى شبّان المدينة الذين ما زالوا حتى الآن يحيون تحت خط الفقر المدقع والعوز الشديد والجوع الكافر. ومنذ حوالي الشهر بدأت مهزلة ومأساة إزالة بسطات وأكشاك الفقراء من منطقة القبّة ومن وسط المدينة ومن مينائها بحجة أن وجودها يشوّه منظر المدينة، فعمّقت تلك الخطوة الجائرة جراح المحرومين، وقد تدفع بالبعض منهم إمّا الى إحتراف مهنة الكسر والخلع، أي السرقة، أو الى الإنتحار، رغم أنّ السارق إذا كان سارقاً عن عادة فيجب أن تُقطع يده، أمّا إذا كان سارقاً عن حاجة فيجب أن يُقطع رأس الحاكم. ورغم أن المنتحر جبانٌ لأنه هرب من الحياة التي يستحقها كما قال أحد الحكماء قديمًا.

لهذا، أقول لمن حوّل طرابلس الى حجرٍ صحيّ محاط بأحزمة من البؤس، الداخل اليه مفقود والخارج من خروم شباكه بضربة حظّ مولودٌ من جديد: ويلٌ لتيارٍ يدّعي حبّ السماء الزرقاء والحياة الجميلة، وويلٌ لعهدٍ يفاخر بقوّته، عندما يريان أن وطنهما، رجاله يبكون وهو مسلوب الإرادة عاجزٌ عن رمي طوق النجاة لهم ولا حول له ولا قوة، بينما هما لا يأبهان بالإنسانية.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.