الواقع السياسي.. وتضليل الرأي العام

بسام ضو (*)

للأسف أدخلنا في منطق الزبائنيّة جرّاء سياسة هوجاء عفنة ميزتها الكذب وتضليل الرأي العام وتأليبه على نفسه. حكّام يُسوقون لمنطق سياسي أعوج أغرق لبنان وشعبه بدوّامة اليأس والقنوط والهجرة المنّظمة، إلى اعتصامات في كل المناطق اللبنانية لا تلقى صدى لدى الطبقة الحاكمة، فتراهم من جديد وبكل خبث، وعملاً بالمثل القائل"ع اللس والسكيّت"، يتفقون على تقاسم مغانم الدولة والويل والثبور لمن يتجرأ على فضحهم فمصيره السجن أو النفي.

سندًا للعلم السياسي، في البدان المتحضرّة عمليًا تنشط الحكومات الوافدة إلى العمل السياسي الديمقراطي على جلب كل الرفاهية والاستقرار والتقدّم والازدهار لشعوبها، عبر طرح منظومات سياسية تدغدغ العقول وتُنمّيها نحو الأحسن. أما نحن في لبنان فالحكومات التي تعاقبت، وأغلبيتها يمكن تشبيهُها بالأنظمة القمعية كالتي قامت بعد الطائف وسُمِيّت بـ"النظام الأمني السوري ـ اللبناني"، وتميّزت بالقمع وصناعة الأزمات وافتعال المشاكل والخلافات في ما بين اللبنانيين، واليوم نفس الأمر يحصل.

وهدف تلك التركيبة السياسية، ماضيًا وحاضرًا، هو التغطية وصرف الإنتباه عن متطلبات الشعب اللبناني، ولجعل الملفات الإقتصادية والحريات العامة وحقوق الإنسان وغيرها من الأمور ترتبط بالأمن والتخلّص من الإرهاب، وتلك هي النغمة السائدة حاليًا في لبنان، وهي بالطبع المفضّلة لدى التركيبة الحاكمة والتي تستعملها لكّم الأفواه، على ما هو حاصل اليوم في الانتفاضة الشعبية.

حاولوا و بكل ما أوتوا من فتاوى إيهام الشعب أنّ المنتفضين يُموَّلون من السفارات، وأنهم أداة في يد سفارات مُعيّنة، وتناسوا عهرهم السياسي وما أوصلوا البلاد إليه من مديونية فاقت الـ 85 مليار دولار دين… والمؤسف أنهم يرسلون زعرانهم ليجوبوا المناطق اللبنانية متحدّين كرامات الناس وحرمة مناطقهم، لمجرّد أنّ هناك شعباً لبنانياً خرج بأسره للمطالبة بحقوقه والثورة ضد النظام الإقطاعي القائم، ويتناسون أنّ هدف نظامهم تمييع الحقيقة وتزييفها، كون المُسبِّب الحقيقي لتلك الأزمة هو تجبُّر هذا النظام الفاسد على الشعب اللبناني وحرمانه من أبسط حقوقه الإنسانية.

نحن أمام قادة سياسيين يفتقدون للشرعية الشعبية، ويدّعون أنهم منتخبين ولكن خلافًا للأصول الديمقراطية التي ترعاها شرعة حقوق الإنسان. نحن أمام مجلس نيابي فاقد لشرعيته التمثيلية، وخصوصًا بعد الإنتفاضة الحالية، وهو يجهل تمامًا أصول التشريع، والأنكى أنّ هذا المجلس لا يمثّل إرادة الشعب بل هو يمثِّل الطوائف والميليشيات التي قامت على أنقاض الدولة ونهبتها بشكل منظّم. مجلس نوّاب أعطى ثقة لحكومة متعثرة متناقضة المواقف، ويقامران بالوطن ومؤسساته الشرعية المدنية والعسكرية. مجلس نوّاب أقل ما يُقال عنه: "يمثّل زعامات كذابة".

المنتفضون اليوم فقدوا الأمل في الوصول إلى مجتمع ديمقراطي حي حر يكفل الحقوق والحريات العامة، ونزلوا إلى الشارع للبحث عن سبيل للخروج من هذا الواقع المأساوي وبأي وسيلة كانت… ثار الشعب وتحوّل إلى كتلة غضب يُطالب بنظام جديد مبني على الديمقراطية من خلال تشكيل حكومة تكنوسياسية تُعيد الوطن إلى مرّبع الحرية والازدهار والتقدُّم. وأحقر ما واجه المنتفضون، تلك الطبقة المخملية المنفصلة تماماً عن الواقع اللبناني المرير الذي يُعانيه الشعب بأغلبيته، وحاليًا هناك طبقة فاسدة منفصلة عن واقع المنتفضين المرير. وأجزم، وبعد خبرة ميدانية، أنها لا ترى أي خطر اقتصادي ـ سياسي ـ أمني ـ اجتماعي، وتحسبه خيالاً… بل ترى في الإنتفاضة الشعبية تهديدًا مباشرًا لها وتدميرًا لنمط سياساتها العفنة… ومن الطبيعي تلك الطبقة أن تُضلّل بواسطة إعلامها الخاص ووجوهها الصفراء، وتُحارب بكل ما أوتي لها من حِيَل من أجل استمراريتها.

أخطر ما نشهده اليوم تلك الوجوه الصفراء على شاشات التلفاز تُحاضر بالعفّة والحرص على السيادة الوطنية وترفض الانصياع لطلبات المنتفضين، وتجهد في الدفاع عن الباطل… والأمر الأشد خطرًا تلك الدول التي تدّعي الديمقراطية ومساعدة الشعوب لنيل حريتها والتخلّص من الطغاة، تُساهم فعليًا في ضرب الثورة، وتمنح السياسيين المرتكبين البقاء في مراكزهم طعمًا في تنفيذ أجندات خاصة، وباتت معروفة.

علميًا، يُقاس مستوى تقدّم الشعوب في أي مجتمع بمقدار حركة الوعي والثقافة في أوساطه، وعلى أساسها تتحدّد مكانة المجتمع وتصاغ شخصيات أبنائه. والسلطة القائمة حاليًا تعتبر أنّ المنتفضين جماعة "قطّاع طرق" و"مسيّرين من سفارات معينة"… وتراهن على غياب حركة الوعي عند المنتفضين، وتراهن أيضًا على غياب القادة، وبالتالي غياب الرؤية لمسار الأحداث. وفعليًا، نراهم عبر شاشاتهم يُضلِّلون الرأي العام ويعتبرون في إطلالتهم القذرة أنّه لا يوجد لدى المنتفضين إتفاق على هدف محدّد وعلى خارطة طريق للوصول إليه… وقد نجحوا مرحليًا في تضليل الرأي العام، حيث شوّهوا صورة المنتفضين الحضارية من خلال افتعال المشاكل في بعض نقاط التجمّع، وإستغلّوها ووظفوها لصالح مشروعهم الإنهزامي الفاقد لأبسط أنواع الحرية والديمقراطية، وإلاّ كيف يُفسِّرون لنا عدم إقرار قوانين من شأنها إعادة تنظيم الدولة التي استلموها على قواعد ينص عليها القانون الدولي والدستور اللبناني، حيث باتت السيادة منتقصة والإدارات الرسمية مهترئة يلزمها الإصلاح؟

المطلوب اليوم من المنتفضين تشكيل لجان متخصصة في السياسة ـ الأمن ـ الاقتصاد ـ الزراعة ـ التربية… ووضع برامج لها، ومن ثمّ تحديد أشكال التحرّك السلمي الذي يُفضي إلى إنهاء الحالة السياسية الشّاذة، والضغط بكل الوسائل المتاحة في مواجهة تلك السلطة المُفلّسة لتستسلم إلى إرادة المنتفضين عبر تشكيل تلك الحكومة التي سيُشارك فيها المنتفضون بإسناد حقائب وزارية لهم… وهو واجب أرى أن تقوم به السلطة القائمة نحو الإنتفاضة لثبات منظومتهم السياسية السيادية الهادفة إلى رد الإعتبار للدولة اللبنانية ولمؤسساتها الدستورية الشرعية، وفي طليعتها القوى العسكرية الشرعية، كي تبسط كامل سلطتها على تراب الوطن دون شريك لها، ومن هنا تبدأ عملية الاستنهاض على كافة الاختصاصات.


(*) كاتب وباحث سياسي

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.