المسيحية والوجود.. وتحدّي الوحدة!

الياس عقل خليل /

يقول المسيح: "من أتاني ولم يرغب عن أبيه وأمه وامرأته وبنيه وإخوته وأخواته بل عن نفسه ايضاً، لا يستطيع ان يكون لي تلميذاً، ومن لم يحمل صليبه ويتبعني لا يستطيع أن يكون لي تلميذاً، ولا يستطيع أحد منكم ان يكون لي تلميذاً إن لم يتخلّ عن جميع أمواله"، مما يعني أن لا قصور ولا ترف ولا جشع ولا حسد ولا حقد ولا تقاتل ولا تذابح ولا كذب، ولا رياء في الحياة العامة.

ويمكننا القول إن المسيحية ـ برغم كونها عقيدة صعبة التحقيق – قد استمرت بفضل الذين تخلّوا فعلاً عن كل ما لديهم، فكانوا للمسيح تلاميذ وتابعين، إذ لولاهم لقُضي على المسيحية منذ الفتح الاسلامي، وعمّ الاسلام بلاد المشرق كافة. فما بالك لو أن المسيحية بقيت موحدة، والكنيسة ظلت جامعة؟

صحيح أن انحطاط كنائس انطاكية والقسطنطينية واورشليم والاسكندرية جعل المسيحيين ينقسمون على أنفسهم حتى أصبحوا فرقاً وطوائف متعددة، إلا أن أياً من هذه الفرق والطوائف لم يتخلّ عن المسيحية، وإن اختلفت السبل والمناهج.  فهذه، على كل حال، من الطرق التي تؤدي الى المسيح، وليس سهلاً اتهام مسيحي أو جماعة من المسحيين بالهرطقة أو الخروج عن تعاليم المسيح والتآمر على الكنيسة الأم لمجرد رأي قاله فجاء مختلفاً عن الرأي السائد. فالجميع، مسيحيون، لا فضل لهذا على ذاك إلا بما أعطى المسيح والمسيحية، إلّا الذين تراجعوا أو ضعفوا أو خدعتهم المادة فانحرفوا إلى غاية أخرى، أولئك هم أعداء الكنيسة وأعداء المسيح، سواء اعتنقوا ديناً آخر أو هم ظلوا يدّعون المسيحية.

نتهم من؟

في الحقيقة الكنيسة لا تتهم أحداً، ولا هي تحتمل أن يتهمها أحد ما دامت مع المسيح بعقلها وقلبها. ولأن المسيح هو فوق اللاهوت والفلسفة، فإن المسيحي، سواء كان نسطوريًّا أو أرثوذكسياً أو كاثوليكياً أو بروتستانتياً، عندما لا ينحرف بأخلاقه وأعماله عن الخط الذي رسمه له المسيح، هو أيضاً فوق اللاهوت وفوق الفلسفة، فلماذا لا يكون اللاهوت لجمع الشمل والاتحاد والتماسك والتسامح بدلاً من أن يكون هو الديان والقهار والمحاسب والمجازي؟

الحقيقة هي أننا نرى المسيحية من خلال ما أنجزه أولئك الأشخاص الذين درسنا بعض أعمالهم، وليس من خلال نظريات لا شأن لها إلا تعقيد الأمور وتأزيمها.

فالمسيح هو في جميع الكنائس المسيحية وعلى أنواعها، ولكنه ليس في النفوس التي لها نزعة الى التسلط والعداء، والخصومة والجدل والمماحكة والاحتكار والاستغلال.

لست أدري ما حاجة المسيح الى المذاهب والاحزاب. كلنا ينظر الى المسيح، الا أن الطريق اليه لا يستطيع أن يسلكها سوى الذي يتخلّى عن كل شيء كما يقول المسيح نفسه. ولعلّ البُعدَ الذي بيننا وبين المسيح هو الذي شجّع على قيام الاحزاب والمذاهب المتضاربة، ممّا أحيا المسيحية وأضعفها حتى في أكثر الاماكن حاجة اليها.

فاذا كانت أجراس الكنائس – أينما وجدت – تدعوا الى مسيح واحد، لماذا هذه العناوين والأسماء اذاً؟

تستطيع الانسانية – اليوم – الادعاء أنها جربت أفكاراً ونظريات كثيرة، إلا أن أيّاً من هذه الأفكار والنظريات لم يصمد طويلًا. فهل من رجوع الى الوراء، أم هناك مفاجآت قد تقلب المفاهيم التي باتت شبه ثابتة؟

في الشرق غليان ديني وثورات وانفجارات كثيرة، وفي الغرب غليان مادي وتسارع الى احتلال الفضاء، وكلاهما لم يعرف الاستقرار ولا الهدوء. وترى الاديان والمذاهب والعقائد كلّها متورطةً وهي تتصرّف في الأمور على غير بصيرة. لكن سؤالاً كبيراً يبرز بدعم الاضطرابات التي تعاني، ألا وهو: "المسيحية الى أين؟".

وإذ نلتمس الجواب، لا بد لنا من الاعتراف – قبل كل شيء – بأن المثالية كالغيث الهزيم الذي لا يُستَمسَك؛ ولعل الضربة التي أصيبت بها الكنيسة الغربية لا تقلّ خطورة عن تلك التي نزلت بالكنيسة الشرقية، وكما هنا كما هناك، الكنيسة الواحدة صارت كنائس والمسيحيون تفرقت بهم الطرق.

كل الأديان والاحزاب المادية تطارد المسيحية. وهي تعمل – منفردة أو متضامنة – على إزالة هذه العقيدة التي لا تبشَّر بقوة السيف ولا تحمل الناس على تصديقها قهراً.

لذلك ستبقى المسيحية في دائرة الخطر الدائم ومواجهة العدو الطبيعي ذي الرؤوس المتعددة، وليس لها الا أن تصمد وتصبر على الآلام والمعاناة والمحن. وكما الغاية العظيمة تتطلب وسيلة عظيمة مثلها، لذلك المسيحية تعتمد المحبة التي هي في الحقيقة قليلة الوجود.

سلاح المسيحية لا تصنعه الفبارك، ولا هو يخرج من الأرض فيتخذ شكلاً او حجماً ولوناً معيناً.

سلامها هو حب التغيير والتجسير بين الانسان والانسان، حتى لا يكون هناك واحد بعيد وآخر قريب. واذ ما استطاع المرء اكتشاف هذا السلاح، فإنما قد اكتشف ذاته وعرف مكانته، التي من خلالها سينصرف الى مكانة الغير ويحبها ويحترمها. فمتى عرف أحبّ، ومتى أحبّ أعطى، ومتى أعطى اطمأنّ، ومتى اطمأنّ استقرّ، ومتى استقرّ سَلُمَ من كل عيب وآفة. على أن السلامة تشمل الجسد والنفس. معنى هذا أنك مسيحي بمقدار ما أنت نقي وطاهر ونظيف وكريم وشجاع ومتواضع.

ليست مصادفة إذًا ان تُنقَر الصخور وتسوّى الكهوف وتُبنى الديار على القمم أو في بطون الأودية، فهناك السلامة، وهل ينال هذه النعمة سوى القديسين؟

وليست مصادفة أيضاً، أن يهرب إلى لبنان من تبقى من المسيحيين المشرقيين لكي يحافظوا على مسيحيتهم. وربما تمَّ في لبنان أكبر تجمّع مسيحيّ مشرقي سوف لن يقوم إلا إذا ادرك المسيحيون حاجاتهم الماسّة إلى الوحدة التي تفترض التسامح، بل التسامح عما يحسبه كل فريق منهم حقاً له مُنْزَلاً مقدساً.

المسيح واحد والمسيحية واحدة. فلماذا عجز المسيحيون – حتّى الآن – عن تحقيق الكنيسة الجامعة؟

لا بد ان العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها، هي التي حرّضت على قيام هذه الكنائس المتعدّدة المتضاربة.

فهل ان اجتماعهم في جزء من لبنان – إذا ما تم – سيجعلهم إخواناً، روحاً وعقلاً، فيضعون حداً لهذا العجز التاريخي القديم، ويبعثون من هنا الى العالم، المسيحية الصافية الموحدة؟ أم أنهم سيوغلون في الشقاق والخصومة والخلاف والفرقة، ويكتبون على أنفسهم مزيداً من البؤس والشقاء؟

إنه التّحدي الكبير!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.