عيد الاستقلال.. والذاكرة المُرّة

بسام ضو (*)

يُصادف عيد الاستقلال كل سنة والوطن يرزح تحت وطأة التدخلات الخارجية، والمؤسف أنّ المواطن اللبناني لا يشعر بهذا العيد وبرهبته كما يشعر سائر المواطنين في باقي الدول.

عيد الاستقلال ليس إلاّ يومًا تُعطِّل خلاله المؤسسات الرسمية والمؤسسات العامة صُوَريًا، والأحسن أننا في هذه السنة أُلغِيَت كل المراسم الاحتفالية التي اعتاد السياسيّون إقامتها في القصر الجمهوري… والسبب أزمة خانقة على كافة المستويات السياسية ـ الأمنية ـ الاقتصادية ـ الاجتماعية، ترافقت مع تظاهرات عمّت كل المناطق اللبنانية مُطالبةً كل المراجع السياسية وعلى مختلف مراكزها الحسّاسة، بالقليل من الخجل ويقظة الضمير لِما أوصلوا البلاد إليه من فقر مدقع، ومن تعطيل متعمّد للمؤسسات الرسمية والتي أضحت معهم خربةً في غابة المصالح الخاصة والخارجية.

رَحِمَ الله سماحة الإمام المُغيّب موسى الصدر، والرحمة هنا تجوز لألف سبب وسبب، حين قال بمناسبة عيد الاستقلال بتاريخ 21/11/1969 في زحلة "الاستقلال هبة من السماء، ولكن السماء لا تريد أهل الأرض كسالى بل أقوياء وأبطالاً يستحقون هذه الهبة وهذه المنحة، ومن غير ذلك لا وجود لهم في العالم… فلا وجود للإنسان الكسول الفوضوي أو الغبي أو الجاهل تحت السماء…". ويُضيف "إذا كان الإنسان مستعمرًا عسكريًا، فإنه لا يملك لنفسه سلطة تحديد إرادته. وإذا كان محتلاً اقتصاديًا، فإنه لا يملك سلطة التحرّك والنمّو…". أين نحن اليوم ممّا قاله سماحة الإمام المُغيَّب؟ وهل نعمل بما قاله ورسمه منذ تلك الأعوام؟ ومن خلال ما ألاحظ، كباحث سياسي، ومن الأفكار التي ترّسخت عندي، لقد ثَبُتَ زيف الاستقلال اللبناني مع من تعاقبوا على ممارسة الحكم في لبنان، ولاحظت ـ كما سائر الناس وبأم العين ـ أنّ ما حسبناه خروجًا للجيوش الغريبة عن أرضنا كافٍ لدخول عهد الاستقلال والحرية، لكن المؤسف أنّ واقع الأمر في لبنان يتناقض مع ما هو معمول به حاليًا…

أسأل نفسي مرارًا، وكلما دُعيت إلى إجتماع أو محاضرة، ما الفائدة من أن نتخلّص من احتلال جيش غريب لتحّل محلّه جماعةً تعمل بتوجيهاته وتؤمّن له مصالحه على ما هو حاصل اليوم في لبنان؟! ما الفائدة من إخراج جيش غريب عن الأرض اللبنانية، وعمليًا يحكمنا نظام سياسي مغلوب على أمره يدّعي الحرية، بينما هو فعليًا يتصرف بأوامر من هذا الغريب ويأتمر بمنظومته السياسية، ويدّعي الحرص على الدولة ومؤسساتها المدنية والشرعية، وفي نفس الوقت يغض النظر عن تنامي الدويلات على ضفاف الدولة المركزية، ويُهدِّد بالويل والثبور إنّ قام أحدهم وانتقد ما هو حاصل…؟!

العلم السياسي يعتبر أنّ الاستقلال هو الفعل العملي لدولة مستقلة يحكمها النظام الديمقراطي القانوني. والاستقلال هو بداية الانفصال عن التبعية والارتهان… والاستقلال هو أهم ما يمكن أن تسعى إليه الشعوب. والاستقلال هو الغاية التي تُبرِّرُها كل الشرائع السماوية والدولية، لأنّ الوطن المحتل يظل ناقص الحرية وتابعًا في جميع سياساته للمحتّل… والاستقلال يعني نهاية عهد العبودية والإستزلام والاحتلال، وتسليم زمام القيادة إلى سلطة عملاقة حرّة، تحرص على سمعة الوطن، وتمتّع أبناء الوطن بثروات بلدهم بدل أن تظل مُستغّلة من المحتل ومنهوبة… لتلك الأسباب، إنّ من أهم مطالب الشعب وتضحياته هو الحصول على الاستقلال التام والكامل واستعادة السيطرة على تراب الوطن من دون قيد أو شرط، وبواسطة مؤسسات مدنية وعسكرية واحدة لا يُشاركها أحد في تلك المهمّة الجلَل. والثابت أنّ الاستقلال على الطريقة اللبنانية يُناقض مبادئ العلم السياسي.

عيد الاستقلال في سائر الأوطان كناية عن فرصة لإعادة شحن الهِمَم لديمومة الوطن وازدهاره، وفرصة للتحفيز على العمل البنّاء والنهوض بجميع المرافق السياسية ـ الأمنية ـ الاقتصادية ـ الاجتماعية ـ التربوية ـ الزراعية الصناعية… ووطن وشعب يستطيعان أن ينتزعا الاستقلال من دولة أخرى، هما بحق قادران على أنْ يواكبا التطوّر والنمّو في جميع المجالات… ولتلك الأسباب، تقع على عاتق الشعب والحُكّام مسؤولية كبيرة من المفترض أن يكونوا على قدر كبير من المسؤولية لبناء دولة عملاقة عظيمة بين الأمم، وإعلاء شأن وطنهم دون الحاجة إلى دولة أخرى، على نقيض ما يقوله رجال السياسة عندنا، وللأسف دائمًا يقولون إنهم بحاجة إلى دولة ترعاهم، واختاروا في نهاية المطاف إيران واستسلموا لها. عيد الاستقلال محطات مرّة نأمل أن ننتهي منها في أقرب فرصة متاحة.

إنني من الذين باركوا الإنتفاضة الحالية على الظلم والاستئثار بالسلطة، وأتمنى أنّ يكون هدف هذه الانتفاضة تحرير الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية من الإستعمار السياسي القائم حاليًا، والمخالف لأبسط قواعد الديمقراطية والعلم السياسي… ومن خصائص هذه الإنتفاضة أنها شملت كل المناطق اللبنانية وكل الجهات، ويناضل في صفوفها جميع الوطنيين الأحرار من رجال ونساء وشيوخ وأطفال وطلاب مدارس وجامعات، سواء منهم الذين كانوا منتمين إلى مجموعات سياسية أو الذين كانوا منضوين تحت لواء الجمعيات المهنية والثقافية والرياضية… وما تمتاز به هذه الإنتفاضة أنها حركة مستقلة تحررية متصلة الحلقات لا إنفصام بينها، وما يُقال في بيروت العاصمة يُردّد في كل أنحاء لبنان…

حذار تشويه سمعة تلك الإنتفاضة البِكر، وويلٌ لكل من سيُحاول ضرب تلك الانتفاضة أو الاستئثار بها، أو استغلالها من قبل الطبقة السياسية الحاكمة، أو التغاضي عن مطالبها المُحقّة ببعض تعابير وتصرفات تخديرية، كل هذه الأساليب لم تعد تجدي نفعًا.

كباحث وناشط سياسي، أتوجه إلى المنتفضين الشرفاء منهم غير المقيّدين بفكر متزمّت، أن نشكّل هيئة سياسية تكوّن مشروعًا سياسيًا بخطوط عامة تأخذ بعين الإعتبار كل قضايا المجتمع اللبناني على كافة المستويات: السياسية ـ الأمنية ـ الاقتصادية ـ الاجتماعية… وهي بمجملها تكون جملة من المبادىء والأهداف التي نسعى إليها كمنتفضين على سياسة الأمر الواقع بهدف تحقيقها… وعندما نمتلك تلك الرؤية الإستراتيجية المترابطة والواضحة، لا بُد من استنباط أساليب عمل تتلاءم وطبيعة المرحلة السياسية الراهنة… والرؤية الإستراتيجية من أهم أهدافها السياسية والفكرية رسم المهام التي نناضل في سبيل تحقيقها على كافة الأصعدة، السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية… كما أطالب كل المنتفضين الذين يرون أنّ بإمكانهم التعاون للتعبير عن تطلعاتهم وأهدافهم ومصالحهم، الإنضواء في حركة سياسية تجمع ولا تُفرِّق، للمشاركة في إحداث منظومة سياسية وتطويرها على كافة المستويات النظرية والعملية، وإبراز التعاطف مع أهداف الشعب اللبناني بما يخدم مصالحه، ووضع لبنان بين الأمم، آملين التوصل إلى مسار فكري متحرِّر وتغيير وطني ديمقراطي آمن، من خلال التحاور مع رئيس الجمهورية بناءً على دعوته للتحاور مع المنتفضين، على قاعدة أنّ الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يُمارسها عبر المؤسسات الدستورية الشرعية.

إنّ من أُسُس الديمقراطية السليمة عدم الإستئثار بالسلطة وعدم تركيزها في مركز واحد، إيمانًا مني بإعتماد نظام اللامركزية أو الفيدرالية، وذلك من خلال توسيع دائرة إتخاذ القرارات على المستويات كافة… كما السعي إلى تحديث نظام الإدارة المحلية، وإعادة النظر في قوانينها بما يضمن لنا المشاركة الفاعلة والواسعة…

كل هذا يجب أن يمر عبر مشاركتنا في السلطة التنفيذية المنوي تشكيلها وفقًا للأطر الدستورية، على أمل ألاّ يبقى موضوع تشكيل الحكومة معلقًا إلى ما لا نهاية، وهذا أمر يُخالف أبسط القواعد الدستورية والديمقراطية…


(*) كاتب وباحث سياسي

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.