حرية الاستقلال

الياس عقل خليل /

"إن الرجال العظام ضروريون لوجودنا من أجل أن تتمكّن حركة التاريخ، دوريًا، من التحرر من أشكال الحياة الخارجيّة الميتة ومن ثرثرة المجادلات العقيمة". (باكوب بوركهاروت)
إن القضية اللبنانية التي ناضل اللبناني من أجلها عقودًا طويلة، تجسّدت في مرحلتها الجديدة بانتفاضة الاستقلال يوم 14/03/2005 ضد الوصاية السورية والإرهاب، وقد شهدت تحرّكًا للأكثرية الساحقة من اللبنانيين ينتمون إلى كل الطوائف والجهات السياسية في لبنان، وخيار لبنان أوّلًا. وقد واكب هذه الانتفاضة الداخلية شركاء الانتفاضة في الاغتراب. إن "ثورة الأرز" واقع دامغ يعبّر عن مشاعر وتطلعات الشعب اللبناني داخليًّا وفي بلاد الانتشار، هي ملك لقرار هذا الشعب الأبيّ، ومبادؤها ملزمة لكل المناضلين في سبيل حرية لبنان التعددي الديموقراطي. من هنا، كمناضلين في سبيل القضية اللبنانية، نلتزم بهذه الثورة واستمرارها حتّى التحرير الشامل وقيام الدولة المستقلّة الحرّة.
ولكن يد الغدر والخيانة والإجرام ضربت "حريّة الاستقلال" وأجهضت كامل عناصرها، وأدّت في النتيجة إلى عودة ما كافحنا لاستئصاله، ولكن لم تكن الرياح مؤاتية لسفن حرية الاستقلال، بل سُحِبنا كلبنانيين أحرارًا، إلى قعر جهنّم الاستبداد والعبوديّة، وقيّدونا بسلاسل الإذعان والتسلّط بنظام هجين مرتبط بأنظمة المحاور التي تكره الحرية والديموقراطيّة وتعبد شخصانية التسلط والخوف من نور التفوّق وقيام طائر الفينيق مجددًا.
وبما أن لبنان بلد الأرز والحرية وهو تحت رعاية الله خالق الكون، بالرغم من عبث شياطين العبوديّة والاستبداد، فإن الرب قد خلق في لبنان أناسًا يعيشون الحرية، مثل جبران خليل جبران والإمام موسى الصدر والمفتي حسن خالد اللّذين كانا لقمة سائغة لأعداء الحرية.
أشرقت شمس الحرية في 17 تشرين الأول 2019 بتدبير إلهي، ليجعل من لبنان قدوة ومنارة لمفهوم "حريّة الاستقلال" للشّعوب من دون إراقة الدماء. لقد أعطى اللبناني مفهومًا حديثًا للديموقراطيّة والإنسان الحر، وللمقاومة السلمية المبنية على شرعة حقوق الإنسان، وهي نقطة انطلاق لقيام عالم جديد مبنيّ على أسس الحضارة والحق والمحبّة، ونتيجته إنقاذ الإنسان، مهما كان جنسه أو لونه أو وطنه، لذلك يجب عليه أن يلبس رداء الحرية الذي هو درع المحبة وسيف الاستقلال لمحاربة جحافل الجهل والظلمة والقهر.

لقد سطّر اللبناني أسسًا ومفاهيم جديدة للحرية والاستقلال بثورته الحالية التي انبثقت من نقاط إخفاق ثورة الأرز 2005، وجعل نورها وشعاعها لقيام المواطنية الحقّة وإرجاع السلطة إلى مفهوم الديموقراطية، أي حكم الشعب، من براثن عبوديّة وشخصانية الحكام الذين لا يريدون سماع أناشيد الحرية. فاللبناني يطالب بنظام جديد يكون منطلقًا للتقدّم والازدهار والترابط الوثيق بين كافة الشعوب والدول والأنظمة، لتصبح هذه الأخيرة منارةً لحريّة استقلالها الصحيحة، مما يساهم في قيام رجال عظام يسَطِّرون تاريخًا جديدًا للإنسانيّة، مرتكزةً على مفاهيم الحرية التي نادى بها الله بكتبه ورسائله، وأدت إلى حرية الإنسان واستقلاله من كل ما يناقض تعاليم الله السماوية وطرق خلاصه.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.