سرطان الطائفية.. و"مراعاة التوازن"!

مروة صبّاح /

لطالمّا انتشرت السرطانات الطائفية والسياسية في العديد من دول العالم، ومن بين هذه الدول لبنان، المستضعف من جميع القوى العالمية، وبالتالي فهي قديمة جديدة في آنٍ واحد.

إن هذه الظاهرة لم تولد عن طريق المصادفة، بل تم التأسيس لبناها التحتية لتحل علينا، كما الزلزال الذي لم يضع له ريختر درجة في سلمه لأن ارتداداته قد تمتد لأعوام طويلة وربما أكثر.

أما من ناحية انتقالها من عوالم أخرى الى عالمنا، يصح القول هنا بأن بعض المندسين حملوها لنا، وزينوا بالزخارف اللفظية مظهرها الخارجي، ليراها الشعب كتحفة جمالية تمثل الحرية، بينما كانت تخبئ في طياتها مطاحن الموت الإبداعي، وسيوفاً تهدم آمال المواطن في الإستقرار الوظيفي داخل أحضان موطنه الأم. وبناءً على ذلك، يمكننا القول بأن الطائفية بذرة زرعت في النفوس، وتجذرت فينا مع مرور الأيام لتصبح جزءاً من اللاوعي الإنساني الذي يصعب التحكم به.

إذاً متى سيتم إلقاء القبض على الطائفية في الوظائف الحكومية كرهينة؟ وهل بإمكاننا نزع قشرتها عن نفوسنا وأبداننا؟!

يولد الشعب اللبناني وهو يرضع من نبيذ الطائفية، فيتحول بذلك إلى أداة، أو حتى إلى دمية تحركها يد الزعيم التابع له، فيفرح طائفياً ويبكي طائفياً، لتستمر به القافلة حتى يموت طائفياً… ففي لبنان كلٌ محسوب على طائفته. بفضلها يتمكن من الحصول على الوظائف الحكومية الشاغرة وغير الشاغرة، على الرغم من أن الدستور اللبناني ينص على عدم التركيز على هذه النقطة، بل وشدّد على إلغائها من القاموس اللبناني، إلاّ بالنسبة إلى الفئة الأولى.

تعتبر الطائفية السبب الأول الذي حرم الشباب من الإخصاب الإبداعي، كما أنها تتسم بصفة الجهة التي استنزفت طاقات الشعب وموارده وهدمت أحلامه، حتى جعلت لنفسها مكانة ضمن مقومات الهوية اللبنانية. وإبتغاءً لإبعاد شكوك الناس عن هذه الجريمة الإنسانية القومية، أسس بعض اللبنانيين ما يدعى بـ "مجلس الخدمة المدنية" الذي يقوم بإجراء الإمتحانات وإختيار المؤهلين للقيام بوظيفة ما على أساس الكفاءة والخبرة من دون الإنقياد وراء التيار الطائفي. والمراد من كلامي هذا القول بأنه تأسس بغية خدمة المواطن اللبناني بشتى انتماءاته بناءً على قدراته. ولكن ما حصل على أرض الواقع كان مخالفاً لما قيل، لأن المراسيم الوزارية منعت توظيف خريجي مجلس الخدمة المدنية وذلك لأسباب طائفية بإمتياز، تحت عنوان "مراعاة التوازن بين المسلمين والمسيحيين في الوظائف".

إن ما يحصل الآن يضع الشباب في صراع خطير بين انتماءاتهم وخبراتهم، فيتحملون بذلك أعباء إضافية تستهلك آبارهم الإبداعية الجوفية.

إن مسألة التوظيف ومنعه، لم تمس جميع طبقات المجتمع، بل انحصرت في نطاق أبناء الفئة الكادحة والفقيرة التي تسعى للحصول على استقلاليتها وإثبات قدراتها في المجتمع والدولة. ومع الأسف فإن ما يدور في رأس المسؤولين من ليالٍ حالكة، أودى بأولئك الذين يسعون لتوقيع معاهدتهم مع الحياة، مما نشر اليأس في عقولهم بشكل متزايد، فهم من يتحملون المصاعب والأعباء المعيشية الصعبة. أما الذي زاد الطين بلة، فهوقيام دولتنا العزيزة بتحميلهم عبء المحاصصة، الأمر الذي جعلهم يسعون للهرب من مقاطعات الظلام هذه والإحتماء في بلدان أخرى تفسح لهم المجال ليعبروا عن ذاتهم من الناحية العملية والمهنية.

لا ذنب للمواطن في مسألة تحقيق التوازن، بل يجب عدم أخذها بعين الإعتبار لأن من يجد نفسه مؤهلاً يتقدم إلى الإمتحانات التي تقام في هذا المجلس، بغض النظر عن طائفته.

إن المواطنين عامةً، والناجحين خصوصاً، أعلنوا الحداد على وطنٍ غرق في دهاليز الطائفية الوظيفية، وطن أعمى بصيرته الطمع للمناصب العليا، حتى نسي حكامه حقوق الشعب الذي دمره سرطان النظام الطائفي وجعله في سباق بين لقمة العيش وميدان العمل، في ظل غيابٍ واضح للحلول والتشريعات التي تساهم في التخفيف من حدة المشكلة، فأولاً علينا نزع هذه الوصمة من نفوسنا، وعدم تعبيد الطرق أمامها لمتابعة سيرها والفتك بالطاقات والجهود.

ماذا سيحل بأولئك الذين يتصارعون مع الحياة في سبيل الحصول على لقمة العيش؟ ومن سيتحمل أخلاقياً مسؤولية ظلم هؤلاء المواطنين؟!

السؤال برسم أصحاب تقاسم المصالح في "مراعاة التوازن الطائفي".

(شارك هذا المقال)

One thought on “سرطان الطائفية.. و"مراعاة التوازن"!

  • 13 كانون الثاني، 2019 at 5:48 م
    Permalink

    بالتوفيق

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.