يحي يستثمر "فيروس" كمال وصباح.. في المغامرة

لولا تلك الحيوية التي يتمتّع بها بعض المرشّحين، لكان أمكن القول إنه لا وجود لفئة إسمها "المجتمع المدني" في طرابلس.

مرشّحون لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، لا يملكون قدرات مالية ولا ينطلقون من عصبيات حزبية ولا يستخدمون خطابات تستنفر الغرائز الطائفية والمذهبية والعشائرية. كل ما لديهم هو ذلك الخطاب الوطني الصادق برغبتهم في التغيير.

بعض رموز ما يسمّى بـ"المجتمع المدني" لم يستطيعوا مقاومة "إغراء" اللوائح "الكبيرة"، فخلعوا عباءة "المجتمع المدني" التي لطالما كانت مصدر دفء لهم، وارتدوا عباءة سياسية وتلوّنوا بألوان اللوائح السياسية. ربما لديهم مبرراتهم وحجّتهم ومنطقهم، بغض النظر عما إذا كان كانت تلك الحجّة مقنعة لغيرهم أو لا.

لكن بعض الناشطين المدنيين لم يتهيّبوا خوض المغامرة بعباءة "مجتمع مدني". هؤلاء لا تعنيهم النتائج في 7 أيار بالمعنى السياسي، ما يعنيهم من تلك النتائج هو اختبار وعي المواطنين ومدى انسياقهم خلف قيادات أفلست في السياسة بعد أن فشلت في افتعال الحروب لكنها تستخدم أسلحة المال والتحريض في حروبها الجديدة.

يحي مولود هو واحد من هؤلاء "المغامرين" الذين قرروا خوض هذا التحدي. هو ليس سليل عائلة تقليدية في طرابلس بالمفهوم الشائع.. لكنه إبن عائلة مجبولة بالنضال. قد لا تكون لديه تجربة سياسية، لكن "مخزون" والديه من التجارب السياسية يكفي لكتابة مراحل عديدة من تاريخ المدينة، ولما يئسا من تلك التجارب النضالية تحوّلت جهودهما إلى العمل النقابي والعمل الاجتماعي.، وراكما تجارب نضالية من موقع آخر.

كمال مولود هو من "خريجي" مرحلة نضالية صعبة، لم يراكم فيها "ثمن بيت"، ولم يحصد منها موقعاً سياسياً كغيره من "رفاق" تلك المرحلة الذين "قطفوا" ثمار "النضال" موقعاً وزارياً أو نيابياً أو سياسياً أو مصلحياً.. أو حتى مالياً.

كان كمال وزوجته صباح "قابضينها جد".. وربما ما زالا يعيشان أحلام تلك المرحلة حين كانا "يجنّدان" الإخوة والأخوات والآباء والأبناء والأقرباء، في مهمات نضالية من أجل طرابلس والوطن والقضية.

المفارقة أن كمال وصباح لم يصبهما الإحباط، بالرغم من الصدمات التي غيّرت من قناعات كثيرين من رفاقهم في تلك المرحلة.

اليوم ينشغل كمال مولود بقضية حياتية أساسية، ما يعنيه أن تصل مياه الشفة إلى كل بيت في طرابلس بمواصفات صحية، وأن يحصل العاملون في مصالح المياه على حقوقهم.

أما صباح طالب فهي انصرفت إلى تعليم الفتيات والنساء "الصيد" لا أن تشتري لهم السمك. في معهد جمعيتها، تشرف صباح على تعليم فتيات المناطق الشعبية مهنة تؤمّن لهن فرص العمل الشريف، وتخرّجت من معهدها أجيال كسرت مفهوم البطالة للفتاة في تلك البيئات الاجتماعية، واصبحت شريكة في الإنتاج.

كلاهما، كمال وصباح، توقّفا عن المغامرة، واتجها نحو ميادين جديدة من النضال. لكنهما أورثا يحي مولود تلك الجينة التي لا تعرف الاستسلام، فبدا أن يحي يجدّد في شباب الوالدين ذلك "الفيروس" النضالي.

يحي هو صورة كمال وصباح الماضية، وهو يجمع تاريخ كمال وصباح الماضي وحاضرهما النضالي، يدمج بين مذكراتهما السياسية وبين حاضرهما الاجتماعي.. وهو في ذلك يترجم إرثهما في تجربة يعرف تماماً  أنها مغامرة.

خ. ط.
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.