عجلة الزمان ولبنان

الياس عقل خليل
محام بالاستئناف
أتوستراد الزوق – بناية السنديانة – ط2
هـ : 365807/03

عجلة الزمان متسرع الخطى، تمر من أمامنا كلمح البصر، ترفض رجاءنا، تتجاهل استغاثتنا. وإذا ما التفتت نحونا، فبسخرية أو شفقة. تقذف على الأرصفة آخر ملابسها القديمة. دخانها يكثف الارجاء ويحتل وجه الشمس. صوتها قريب وبعيد لا يحاكي العواطف ولا يهيجُ الأشجان.
على متن هذه العجلة التقى " الماكرون" ذوو اللحى الطويلة الفوضويّة وقد علقوا في رقابهم "أحذية" و"قباقيب" من الذهب والفضّة أو الخشب أو التنك نسبوها إلى ملوك الحداثة والإبداع. يحمل هؤلاء أدوات الرسم والنحت والموسيقى والشعر. وفي جو صاخب ومضطرب، يضع كلٌّ فنّه على هواه، ويلقي به من على سطح العجلة ملطخًا وعاريًا حتى من اسمه، والويل لمن يسأل عن هذا "الفن" أو عن هويته.
زبانية هذا الزمان يمنعون التفسير والتأويل ويستنكرون البحث والتدقيق. يتسلّلون إلى خزائن تراثنا عبثًا أو استهتارًا، ومثل هؤلاء لا أعرف إلى أين تشحنهم عجلة الزمان، فلربما خدعتهم لكي تصرفهم عن صناعة تاريخهم. فهل تنبّه المعنيون للأمر قبل فوات الأوان؟
إن هذا ليس نقدًا لأحد من الناس بالإسم وإنما هي خواطر وأفكار كثيرة من العناوين وقفت عندها اقراء وتأمل.
إن الشعوب تؤلف وحدة إنسانية تامّة الشروط، مصالحها واحدة، وقضاياها واحدة، وغاياتها واحدة، وكذلك معاناتها وألامها وأفراحها، وليس لقومية، أو لدين، أو لمذهب، ان تفصم عرى هذه الوحدة. فالداعون، في التاريخ، إلى انفصال بين البشر، لم يكونوا أكثر من تجّار تقوم تجارتهم ومكاسبهم بهذه الدعوة، والداعون اليوم إلى مثل هذا الإنفصال ليسوا إلّا مخلفات قديمة تعيش لمغانمها حينًا من الزمن، ثم تضمحل، وتزول، فيما الشعوب تتابع سيرها الساعد في الاتجاه الإنساني الواحد.
المسيحيون كمعظم بقية اللبنانيين، أقليات في هذا الشرق وليس لهم من وطن يرتاحون فيه إلى ممارسة إنسانيتهم، علة وجودهم، سواه. فلبنان رهينة غالية في أعناقهم، وعليهم أن يكونوا عائلة واحدة تجمعهم المحبة والإخلاص ومصلحة هذا الوطن العظيم، لبنان، وعلينا نحن اللبنانيين بكل طوائفنا، أن

نفتش عن سبب الحرمان في الفوضى الإجتماعية، التي نعيش فيها، لا أن نضع مسؤولية تخلفنا على الآخرين، الأبرياء مما ينسب إليهم.
يا الله! لبنان، الرسالة، قرأته الدنيا، وتهافت عليه: ففي كل لسان هو، وفي كل قلب، وفي كل فكر، وفي كل خاطر خطر بالإنسان خطوة واحدة نحو إنسانيته. "لبنان يا وطن الرب" علّمتنا كيف نهتدي إلى الله، إلى الحق، إلى الرسالة، بعد أن كان البشر وفي غيهم غارقين… لبنان، يا هذا الوطن الزهرة تدوسك الشدائد، عمل الشيطان، عدوّ الله…
يا أيها الناس، إن الشيطان عدو مبين، فتجنبوه… هو يريد بكم شرًا لا خيرًا… بلى، وكل ما يزرع رصاصة أو قنبلة أو شرًا في ربوع هذا الوطن هو زبانيّة للشيطان.

أيّها اللبنانيون
أين الأدباء ينثرون الكلام العذب الجميل؟
أين الشعراء يغنون القصائد التي تسحر الألباب
أين الحكام يجتمعون في بيوت العلم والأدب ليتنافسوا في بذل المساعدات لها ومدها بالمعونات والتسهيلات.

أين الصحافة الحقة تشق الطريق أمام الخير وتحرض على مناصرتهم وتشجيعهم؟

أين المحسنون يغذّون بأموالهم المؤسسات الخيرية الإجتماعية ومدارس الفقراء؟

أين أنصار الحق والواجب؟

أين أصدقاء الحرية والعدالة؟

أين دعاة السلام؟

أين رجال الدين يطالبون بإنصاف المواطنين وإنقاذهم من الخطر الذي بات يهددهم؟

أين هم أصحاب النخوة والشهامة والكرامة؟

أين هذه التضحية؟

لماذا كانت الحرب؟

من يقاتل من؟

أيّها اللبنانيون

هذا الوطن باقٍ، " فلن تخفى مدينة موضوعة على جبل" فإلى المشككين ببقاء هذا الوطن هذا "اللبنان" هذه العبرة ليحفظوها في قلوبهم: " هذا الوطن لن تقهروه، فهو وطن الرب، حامل مشعل المعرفة، في دروب الإنسانية المظلمة. أنتم أبناء الظلمة، وهو النور، فأنتم غرباء عنه، إلا إذا ندمتم عن خطياكم حينذاك: أسجدوا أمام عظمة إنسانيته، اسجدوا يغفر الله لكم خطياكم، الله الرحمان الرحيم، الغفور…

أيها المشككون،

لبنان باقٍ ببقاء الله، والمحبة والأوطان.
المحامي الياس عقل

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.