أين لبنان من النظام العالمي الجديد؟

المحامي الياس عقل خليل

انتهت الحرب العالمية الثانية بقيام نظام عالمي جديد على أنقاض انتكاسة نظام عالمي مريض مخلّع لا يصلح لمواكبة المارد الاقتصادي الجديد الذي كشّر عن أنيابه الكاسرة وعن عضلاته الحديدية، فكان الاقتصاد الأميركي القوي الذي سيطر على القارة العجوز وعلى القارة الفقيرة آسيا التي لم تعرف من مفاخر موائد الاقتصاد هذا الاّ فتات أطعمته.

تعملق هذا الاقتصاد وحماه نظام سياسي وأمني يعتمد على القوة والاستهلاك والتطور العلمي، بوجه المارد الشيوعي الذي يمتلكه وقتها الستار الحديدي وعلى رأسه الاتحاد السوفياتي. ولكن اين هو لبنان من كل هذا؟

في لبنان استقلال 1943 أصبح أسطورة بأعين هذين الجبّارين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وأيضاً لقمة سائغة بمحيطه الشرق أوسطي اذ به يغرّد خارج سربه.

عاش لبنان منذ الاستقلال المصطنع، أكاذيب كثيرة جعلته يتخبّط بمفاهيم متناقضة حسب تناقض طوائفه، إذ أنّ لبنان شئنا أم أبينا، بلد طائفي وبالتالي حزبي تبعاً لطوائفه.

إن لبنان حتى يومنا هذا هو موجز الركنين، المسيحية والإسلام. فالطوائف الإسلامية جميعها تعيش لبنان، مساحة حضارية، والسنّة يرون فيه، مساحة جغرافية، صغيرة من العالم العربي.

فالقواسم المشتركة بين الأقليات المسيحية والأقليات الإسلامية، هي سر بقاء لبنان ومنعته في وجه الأعاصير مهما زوبعت واشتدت في هذا الوطن الجميل، معقل الجمال والإنسان والإنسانية.

اليوم الكيان اللبناني، يترنّح تحت ضربات الصراع العربي الإسرائيلي وتناحر الجبابرة لمن ستكون قيادة النظام العالمي الجديد الذي بدأت تظهر معالمه وقواعده بهدم الحدود الاصطناعية بين الدول، والدول الضعيفة أصبحت فريسة في فم القوى الإقليمية كما يحصل في بلد الانسان.

عاش لبنان منذ الاستقلال أزمات كل عشرة أعوام، مرتبطة بمفاهيم طائفية عرقية لا تمتّ بصلة إلى مفاهيم قيام الدول المتحضرة، من ثورة 1958، إلى المسألة الفلسطينية والحرب اللبنانية من 1975 إلى 1990، إلى كل ما أتى من احتلالات متعددة على لبنان.

ولكن أين هم زعماء وأسياد لبنان من كل هذا؟

لم يخلق هؤلاء لبنان السيد المستقل والحضاري، وأبناء الطائفية دمّروه وجعلوه مرتعاً لأطماعهم كما يحصل اليوم. فكل زعيم أصبح سيداً على طائفته، وحاكماً بأمره غير ملتفت إلى لبنان ككيان مستقل لجميع أبنائه. هؤلاء مجرمون و جريمتهم أنهم كَذَبَة وجهلة وفاسدون، حتى أتت انتفاضة 17 تشرين وايقظت المارد اللبناني من كبوته لكي يعمّر هذا الكيان الفريد من نوعه.

ولكن لا يخفى أنّ هؤلاء الطائفيين، الجشعين، أخذوا يحاربونه بلقمة عيشه، حتى أتى عزرائيل بصورة "كورونا" فحطّم كل شيء.

من هنا أخذ أبناء الثورة بمجابهة هذا العزرائيل وتوابعه، ليلحق ببناء الوطن الجديد الذي يرسم معالمه النظام العالمي الجديد.

الدنيا كلها تحارب لبنان لإبقائه ممزقاً بقنابل الطائفية وصواريخها لئلا يتاح لها ايقاظ الشرق العربي من غفلته العاطفية.

أيها اللبنانيون، لا تخافوا إن "لبنان هو في قلب الله" ورائحته مسك وعنبر وبخور كما اتى في الكتاب المقدس.

سبحانك ربي إنك عظيم إذا أعطيت، لهذا لقد أعطيت لبنان فكنت سخياً للعالم وللتاريخ. تصورتك يا الله، ترسم لوحة حرية أردتها بياناً على وجودك، فكانت المعجزة، وكان الإيمان، عندما كان لبنان، وأصبح وطن لك وتريد أن تنتسب إلى وطن فكتبت "لبنان"، ورسمت لبنان وطن الرب. بيدك الكريمة زرعت المدن والجبال، وكتبت بدمك الحدود فلا يستطيع أحد أن يمحو ما كتبت… يا الله!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.