المسألة في أسباب واستقلال وجود الدولة

المحامي الياس عقل خليل

المسألة هي في أسباب وجود الدولة فحسب. وحيث يكون للدولة، أيّة دولة، البقاء الطويل و السيادة المحترمة يجب أن تكون قوية متماسكة و ذات شخصيّة واضحة و مستقلّة. ومن الثابت انّ التاريخ يحفظ بين دفّتيه أسماء دول وممالك ومبراطوريّات شتّى انقرضت أو زالت لأنها ولدت ان لم يكن مصادفة، ففي ظروف غير عادية. ومعظم هذه الدول تضخّمت من دون هضم واتّسعت رقعة نفوذها من دون ان تكون واعية لما يجري لها، فلمّا سقطت سقط معها كلّ شيء فكانت المآسي والانهيارات التي تخلّلتها المذابح والمجازر وما تلاها من تهجير قسري وتشرّد وتسلّط واغتصاب واحتلال من جهة اخرى. وبتأثير هذه الوقائع تلاشت قوى شعوب هذه الدول وخربت ديارها.

ما هو استقلال الدولة؟

مما تقدم من تاريخ الامم والشعوب يطرح سؤالًا كبيرا وجوهريًّا:

ما هو الاستقلال وما معناه؟

الاستقلال حالة لا تكون إلا حيث الشّدة والقوة والثقة بالنفس. وهو ايضا صفة للكيان، ايّ كيان يعرف بها وتعرف به، كأن نقول: الكيان المستقل واستقلال الكيان، على أنّ الضعيف والقاصر

والمحبوس لا يعدّ مستقلًّا. لذلك قيل: "الاستقلال يُؤخذ و لا يُعطى" و من علاماته، الحرية و العكس صحيح، اذ لا حرّية من دون استقلال كذلك لا استقلال من دون حرية.

اذا فمن لا يستطيع انتزاع استقلاله والمحافظة عليه، اي على حريته، فهو تبعي، يؤمر فيطيع، ويعقد لسانه، فاذا ما عاتبه أحدهم، قال: " انها من شدائد الدهر، و ليس المخاطر بمحمود ولو سلِم". فالاستقلال هو ارتفاع واناقة واشراق. فالطائر لكي يطير ويحلّق يجب ان يكون صاحب جناحين متساويين أولاً، وقويين ثانياً. والنبات لا يثمر الا اذا ارتفع و تكامل. كذلك الامم والشعوب، وكلّ امّة لا ترتفع الى صفّ الامم الكبرى لا تعدّ مستقلة، بل تابعة وضعيفة ومهدّدة بالزوال.

وماذا بالنسبة للبنان؟

اللبناني على مدى تاريخه الطويل خاض دائماً حروباً ثقيلة، واذا ما تيسّرت له قيادة حكيمة، كان جندياً صلباً و هذا ما نراه عبر التاريخ القديم والحديث. اذ ليس المهمّ ان نجتاح اراضي الغير ونوسع حدودنا ومناطق نفوذنا، وانما المهم ان نكون استقلاليين نصون ارضنا ونحميها.

هل نحن الآن اصحاب استقلال وحرية؟ وانني اسال اللبنانيين: ماذا بين الامس و اليوم؟ هل الحق على اللبنانيين ام على الغرباء والاجانب؟ هل الحق على انكلترا والدول السبع وحالياً على الولايات المتّحدة، ونحن لا نعلم من الذي سيخلف غدا هذا العملاق العالمي؟ والحالة هذه، هل نحتكم الى القانون الدولي؟ وماذا عساه يفعل هذا القانون؟

ان المصالح الدولية، الا القانون الدولي، هي التي تملي على الدول مواقفها السياسية النهائية سواءً للّبنانيين او غيرهم. والأصحّ

هو ان اعتراف الدول العظمى بحرية الاقليّات وعد لا يتحقق، وعهد مولود ميتاً.

لقد طُبخت الحرية في البلدان الكبرى، ولكننا لم نتمكّن من اكلها بملعقة من الورق. لا ترجوا ايّها اللبنانيون اي امل من الاجانب البعيدين والاقربين بل اعتمدوا على انفسكم بأنفسكم.

نحن لما كنا على طاولة الدراسة نتقاسم الرغيف ونغنّي للبنان، والخريطة المعلّقة في غرفة الدرس، خريطة لبنان، التي تدل على حدوده، ومدنه وقراه، سهوله وسواحله، انهاره وامكانياته الاقتصادية، وموقعه الجغرافي… تلك الخريطة لم تدل يوماً على ان لبنان هو بلد لطائفة معينة دون اخرى او هو ملك لحزب دون غيره.

في الزمن القريب كنّا نزرع فينا المحبة والوفاء، نحافظ على الاخوّة الحقة، ولكن لم ندرك عندها اننا سنصبح اشخاصاً آخرين، لو عصفت بلبنان الحوادث والنكبات. بل يجب ان نصرخ عاليا بوجه هؤلاء الذين يحاولون، وقد حاولوا ان يجعلوا لبنان ممزقاً، ان يفهموا ان جيلنا يرفض غباوتهم ويمزق بياناتهم وسيحاكمهم بلا رحمة على اجرامهم.

هؤلاء الجبناء، شهواتهم قضت على المحبة فيهم، وقتلت فيهم روح التضحية والاخلاص لوطن الانسان لبنان. اما جيلنا سيعيد زرع المحبة سلاماً في ارضنا الطيبة، يرفض ان يتغنّى بغير لبنان وان يصلّي لغير لبنان.

جيلنا يصلي من اجل السلام حتى يخيّم على العالم السلام الحقيقي لشعوب الارض كلها.

لذلك يجب ان تُحمل صرخاتنا هذه الى المعنيين بالأمر، جميع المعنيين، الى المسؤولين… الى الآباء، الى الأمهات لنقول لهم:

صلوا من اجل لبنان

صلوا من اجل اولادكم

صلوا من اجل الحرية والاستقلال

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.