دراسة حول الطريق إلى الدولة المدنية:  هل بدأت معركة سقوط لبنان كسقوط القسطنطينية 

 المحامي الياس خليل عقل 

القسم الأول: في الطريق ………………. إلى الدولة المدنيّة  

إن الدولة المدنية هي التي تؤمن للمواطن  الإنسان حقوقه المعترف بها عالميًا وإن من أهم هذه الحقوق هي حريته وقدرته على ممارسة هذه الحرية.
إن روح الإنسان، وقد خلقه الله على صورته ومثاله، بحاجة إلى الحريّة حاجة جسده إلى الماء والهواء. 
إن النظام الديموقراطي هو ركيزة الدولة المدنية ذلك أن هذا النظام يجعل المواطن أساس السلطات وبالتالي هو المرجع الأول والأخير لممارسات الفئة الحاكمة ومن هنا قدرته على جعل هذه الفئة تحترم حقوقه من خلال تطبيق القوانين التي يقوم بسنّها ممثلو الشعب وبالإشراف على تطبيقها من خلال وسائل متعددة يؤمنها له هذا النظام. 
من هنا، النظام الديمقراطي هو الوسيلة لتحقيق الدولة المدنية وأهدافها، وبنجاحه، تقوم الدولة المدنية المنشودة. وفي حال فشله، تتحول الدولة إلى فوضى عارمة على جميع الأصعدة كما هي الحال في لبنان هذه الفترة.
وحيث أننا، وبسبب تعدّديّتنا الحضارية في لبنان، نكاد نصل إلى إفشال هذا النظام ونكاد نتحول إلى دويلات طائفية، لذلك، أرى من الضروري لا بل من الواجب درس كيفية تطبيق نظام ديمقراطي لشعب مثل شعبنا متعدد الإنتماءات الطائفية حتى نصل إلى الدولة المدنية القادرة على الحياة العادلة والضامنة.  

وهنا لا بدّ من تقسيم الموضوع إلى ثلاثة أقسام: 
القسم الأول: مواصفات شعبنا.
القسم الثاني: فشل الديمقراطية العددية وفشل الديمقراطية التوافقية.
القسم الثالث: الديمقراطية الفعلية الواجب تطبيقها في لبنان: الديمقراطية ذات البعدين.  

 

مواصفات شعبنا: 

عندما أعلن الجنرال غورو في أيلول سنة 1920 قيام دولة لبنان الكبير معيّنًا حدود هذه الدولة الجديدة بموجب اتّفاق "سايكس  بيكو"، لم يكن يعلم أنّه وضع شعوبًا مختلفة الحضارات والانتماءات ضمن وحدة جغرافية واحدة، وأنّ لكل مجموعة تاريخ مختلف عن الآخر. تجمع "تواريخ" هذه "الجماعات" معاناة من ظلمِ نتيجة لانتمائها الطائفي وهروب للعيش في كنفِ جبال لبنان كأحرار وأسياد.ولكن هل هنالك حل لهذه المشكلة؟ 

من يستطيع الجمع بين متحركين اثنين مجهولين (المواطنية والطائفية) بمعادلة واحدة Une équation à deux inconnu  والمعادلة الواحدة هي انتخابات واحدة. 

في الأيام العادية وتحت ضغط المعيشة يضع المواطن العادي طائفته جانبًا ويكون مواطنًا يهمه المشاكل ذاتها وتكون طائفيّته بمستواها الأدنى. في أيام الانتخابات تأتي عمليات الشحن الطائفي (فتوى، تخويف من المستقبل، … إلخ). شحن النفوس يُمارس من كل الزعامات اللبنانية عن قصد أو غير قصد فيتحول ترتيب الطائفية عند المواطن إلى المستوى الأعلى.  

تستطيعون أن تجدوا قانونًا انتخابيًا عادلًا اذا اعتبرتم ان المواطن غير طائفي وبالتالي لن يمارس طائفيته خلال العملية الانتخابية ولكن لدى الممارسة تكتشفون ان هذا القانون لن يعطي أي ضمانة للأقليات وبالتالي يصبح مخالفًا للدستور: "لا شرعية لأي سلطة تناقض العيش المشترك" .
تستطعون أن تجدوا قانونًا يضمن للأقليات مستقبلها لكن هذا القانون لن يكون عادلًا وهذا شرط اساسي لبناء لبنان وديمومته. 
الحل ليس باقتراح قانون انتخابي يوازن بين نقيضين متحركين اثنين، بل يكمن بكل بساطة بإيجاد المعادلة الثانية: La deuxième équation  ومن هنا الاقتراح يكون باعتماد "نظام المجلسين" 

المأزق الثاني هو في الديمقراطيّة التوافقيّة بعد فرض طائفية الرؤساء الثلاثة واعتماد مبدأ التوزيع الطائفي ضمن مجلس الوزراء. 

نحن اللبنانيون اخترعنا أشياء كثيرة. إلا أن أسوأ ما اخترعناه هو " الديمقراطية التوافقية" واعتبرنا أن اختراعنا هذا هو الحل لمشكلة التعددية ضمن النظام الديمقراطي.
فالديمقراطية التوافقية على الطريقة اللبنانية، هي أن نستعمل الطائفية في شحن الجماعات الناخبة فنأتي بـ"صقور" الطوائف إلى الحكم. ثمّ تحاول هذه "الصقور" أن تتوافق فيما بينها. وإن نجح توافقها وصلنا إلى "المحاصصة"، بينما يهدد كل "صقر" بالثبور وعظائم الامور إذا لم يأخذ "هو" حصّة طائفته.  
المحاصصة بحد ذاتها دليلٌ على فشل الديمقراطية حيث هي مشاركة متوازنة للمجموعة الحاكمة مقابلها معارضة فعالة ومتوازنة
إن المحاصصة والفساد وجهان لعملة واحدة: خذ وهات، كل واشكر، أدار دفتها نظام الوصاية فوزّع الحصص وأعطى … وأخذ وانتهى بنا المطاف إلى مديونية لا سابق لها بتاريخ الدول. 
وإن فشل توافق "الصقور" أوصلنا إلى الحائط المسدود الذي وصلنا إليه، وقد جمدت أعمال الدولة (بوجود ثلث معطل داخل الدولة أو بوجود خيم معطلة داخل العاصمة) وقد يدفع ذلك إلى انهيار الكيان.
الاستمرار بممارسة الديمقراطية التوافقية ليس حكمة، خاصةً وأنّنا جرّبنا ويلاتها القاتلة.  وأي حل مؤقّت هدفه تمرير الوقت في الأزمة الحالية، سيرجعنا إما إلى المحاصصة وإما إلى الحائط المسدود، ولن نستطيع أن نبني دولة إلا بالرجوع إلى الديمقراطية الفعلية الحقيقية التي تعترف بتعددية الجماعات اللبنانية. 
 

القسم الثالث: الديمقراطية التعددية أو الديمقراطية ذات البعدين: تحديدها وتطبيقها في لبنان. 

إن ممارسة الديمقراطية في بلدٍ مثل بلدنا: طوائفه متعددة، شعبه عاطفي، قياداته شخصانيّة، يجب أن يرتكز على الاعتراف بازدواجيّة المواطن  الطائفي ضمن مبدأ التكريس ثم فصلهما في العمل المؤسساتي من خلال تطبيق مبدأ الفصل الكامل والصريح بين الرقابة والتنفيذ.  

يتم ذلك باعتماد مبدأ "الديمقراطية ذات البُعدين".  

البعد الأول: ديمقراطيّة الرأي ضمن الطائفة الواحدة: كل طائفة تنتخب ممثليها في دائرة انتخابية واحدة لكل لبنان. يؤلف ممثلو الطوائف "مجلس الشيوخ" ويكون دوره الأساسي: تثبيت العيش المشترك من خلال مسؤوليته عن "القضايا المصيرية" ومراقبة تنفيذ جميع أعمال الدولة.  

البعد الثاني: ديمقراطيّة العدد: ينتخب المواطنون اللبنانيون مجلس النواب خارج القيد الطائفي الذي تنبثق منه السلطة الإجرائية المسؤولة عن التنفيذ. 

البعد الأول للديمقراطية ينتج عنه "مجلس الشيوخ" ويكون "مرجعية الوطن" ويكون الضامن لكل طوائفه الـ 18 من أصغرها إلى أكبرها دون التقيد بالعدد. إن صلاحية "مجلس الشيوخ" هي التي تعطي الضمانة وليست الإمتيازاتفقد رأينا كيف أن الامتيازات الكبيرة التي أعطيت للموارنة في الجمهورية الأولى لم تعطهم الضمانة بل ولّدت غبنًا وحرمانًا ساهما في انهيار هذه الجمهورية.  

البعد الثاني للديمقراطية ينتج "الدولة المدنيّة" العادلة حيث المساواة تسود دون أي تمييز في أي منصب أو مركز.
إن دور مجلس الشيوخ باختصار هو دور الضمير الحي المراقب والموجه لهذه الدولة المدنية.  

 

يتبع في القسم الثاني: التطبيق في لبنان : انطلاقًا من اتفاق الطائف  

  

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.